جـوهـرة الـونشريس

جوهرة الونشريس،،حيث يلتقي الحلم بالواقع،،
هنـا ستكـون سمـائي..سأتوسد الغيم..و أتلذذ بارتعاشاتي تحت المطــر..و أراقب العـالم بصخبه و سكونه و حزنه و سعـادته..
هنـا سأسكب مشاعري بجنون..هذيانا..و صورا..و حتى نغمــات..
جـوهـرة الـونشريس

حـيث يلتـقي الـحلم بالـواقع


أخلاق المجتمعات النامية و ذهنيتها و نفسيتها

شاطر
avatar
In The Zone
Admin
Admin


عدد المساهمات : 4732
تاريخ التسجيل : 21/11/2010
الموقع : الأردن

منقول أخلاق المجتمعات النامية و ذهنيتها و نفسيتها

مُساهمة من طرف In The Zone في الإثنين أكتوبر 07, 2013 6:27 pm

أخلاق المجتمعات النامية و ذهنيتها و نفسيتها.
أ.د.عبدالكريم بكّار.

........
يقوم الانطلاق الحضاري – كما يعزز – على نوع من الأخلاق الاجتماعية التي تمكن القوى الاجتماعية المختلفة من الحركة و العطاء و الانسجام و الاستفادة من كل المعطيات المتاحة.
و على نحو من ذلك تتوضَّع ظواهر الركود الحضاري،و تستمد كينونتها و نموها من عدد من الأخلاق و العادات و الفاعليات الذميمة.
و من الواضح أنّ المجتمعات النامية و الراكدة حضارياً تفقد القدر الضروري من التجانس في أكثر الصعد الحضارية،و من ثمّ فإن حديثنا هنا لا يصور سوى الطابع العام،و إلا ففي أشد المجتمعات المختلفة أشخاص كثيرون شبوا عن الطوق الاجتماعي،و تجاوزوا السقف الحضاري السائد في شعوبهم؛فهم في أقصى درجات الفاعلية و التفتح و الاستجابة للتحديات المختلفة،لكن ذلك كله غير كافٍ لجعلهم يصبغون مجتمعاتهم بصبغتهم الحميدة ما لم يصلوا في عددهم إلى النسبة الحرجة المطلوبة.
و نظراً للجدلية القائمة بين كثير من جوانب الحياة فإنّه لا يمكن عزل أي جانب من تلك الجوانب عن عمليات التأثير و التأثر التي تظل ناشطة مهما ظل المجتمع راكداً،كما يظل القلب في حالة من العمل على الرغم من النوم أو غياب الوعي،و من هنا فإن مدى استقامة أخلاق أي مجتمع أو تدهورها مرتبطة بسلَّم القيم السائدة في المجتمع من جهة،و بالوضعية الحضارية العامة لذلك المجتمع من جهة أخرى.
و سلَّمُ القيم من جانبه يتبادل التأثير و التأثر مع الوضعية الحضارية؛حيث تهبط قيم معينة،و ترتفع أخرى.
و بإمكاننا أن نذكر هنا بعض الأخلاق التي تسود في المجتمعات النامية و الراكدة حضارياً.
و لكون الإسلام يريد من المسلم أن يكون النموذج الأمثل في صُعُد الرقي و الخير و الحق و الكمال فإن هذه الأخلاق موسومة بوسم (اللاشرعية) مهما شاعت في المجتمعات الإسلامية،و استمرت.
و إليك بعضاً مما نعانيه في هذا الموضوع على النحو التالي:
1- ضعف الفاعلية:
تتسم المجتمعات الإسلامية – و كلها مصنفة مع المجتمعات النامية – بالبطء في كل شيء،كما تتسم بضعف المحصول العام لحركتها و نشاطها؛فالمشكلات التي تجتاح مجتمعاتنا تستمر قروناً لضعف فاعلية الطرد لدينا،على حين لا تدوم المشكلات طويلاً عند الشعوب المتقدمة صناعياً،حيث تجدُّ عندهم في كل يوم مشكلات،و تختفي أخرى.
و أداء الأجهزة و الأنظمة لدينا أيضاً غير فعّال،و قوى الإنتاج المختلفة لا تعمل بالكفاءة المطلوبة،كما أنّ الفرص المتاحة لا تستغل على الوجه المطلوب،حيث لا نفطن لها إلا بعد فوات الأوان،فنأتي دائماً بعد الأحداث لا قبلها.
المعلم في مجتمعاتنا لا يعلّم بكفاءة.و إنتاج العامل لدينا لا يقارن بإنتاج العامل في المجتمعات الأخرى،و يصعد الواحد منا إلى الطابق الثاني بالمصعد على حين يصعد الواحد منهم هناك إلى الطابق الخامس على قدميه.
و يقضي الواحد منهم بعضاً من وقت فراغه في الجري و المشي،و نحن نقضيه في الاستلقاء!
و يدخل الواحد منهم في مشروع،فيكافح إلى النهاية مهما طالت،و نشعر بطول الطريق و الملل و السأم بعد قليل!
فأين ذهبت فاعلية الإيمان التي دفعت بخالد بن الوليد و الجيش الإسلامي بقطع بادية الشام من العراق إلى الشام في مدة زمنية مذهلة في قصرها رغم الظرف الصعب.
و أين ذهبت فاعلية الإيمان التي دفعت أسماء رضي الله عنها إلى المشي إلى غار ثور أميالاً عدة مع أنها حامل!!
و أين أولئك العلماء الذين كانوا يقسمون الليل أثلاثاً: ثلثاً للكتابة و ثلثاً للنوم و ثلثاً للصلاة،و أين و أين..؟؟
إنّ الأُمّة فقدت الهمة الحضارية فيما فقدت،فصارت إلى السكون أقرب.و خرجت من تيار الزمان المتدفق تنتظر مصيرها في عصر غزو الفضاء!!
.........
2- قلة الاكتراث بالوقت:
الوقت هو الغلاف الشامل لكل أنشطة الإنسان،و هو من المحطات الرئيسة في تقويم أدائه و فعاليته، و هو من قبل ذلك و من بعده حياة الإنسان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى؛فضياعه هو ضياع العمر،و إتلافه إتلاف لأعظم الثروات.
و على الرغم من كثرة الآيات التي أقسم الله بها بالزمن و كثرة الأحاديث التي تحث على اغتنام الساعات و كثرة أقوال السلف و عظماء العالم في ضرورة الحفاظ على اللحظة الواحدة؛فإنّ المجتمعات الإسلامية تعد نماذج مثالية لإتلاف الوقت و قتله في جميع الحقول،و على جميع المستويات.
و لعل من الأسباب الرئيسة في هذه الظاهرة المحزنة أن طبيعة مصادر الرزق تتحكم في ذلك؛فأكثر المسلمين يشتغلون في الرعي و الزراعة و الحرف اليدوية و المهن الحرة،و ليس في واحدة من هذه ما يعوِّد الإنسان على الحرص على الوقت و الالتزام به.
ثمّ إن فاعلية الإنسان تتعقد كلما تعقدت مصالحه،و زادت أعباء الطلب عليه.
و هذا يحتاج إلى درجة مناسبة من الولوج في عصر الصناعة.
و الحفاظ لدينا على الوقت في المعامل و المكاتب أفضل،لكن لم يتم بعد إرساء تقاليد عريقة في هذا بالقدر المطلوب.
و مع ذلك فإن بقاء الموظف في مكتبه أقل مما هو موجود عند غيرنا بكثير؛فإن بعض الإحصاءات يذكر أنّ الفرد من مواطني بعض الدول العربية لا يقضي في عمله سوى جزء يسير من يومه،و ذلك لا يساوي إلا ربع التي يقضيها المواطن الأمريكي في العمل!
بل إنّ هذا المواطن العربي يقضي 36% من وقته في مشاهدة (التلفاز)؛كما أنّ المواصلات تستهلك 16% من وقته!
فكيف يمكننا أن نلحق بركب الحضارة إذا كنا نسير بربع الطاقة التي يسير بها الآخرون! و كيف لا تتسع الهوَّة التي تفصل بيننا و بينهم؟
أما نحن فنجد أنفسنا حيال مواقف كثيرة يُقتل فيها الوقت قتلاً نتيجة فقد آلة صغيرة،أو نتيجة وجود موظف مهمل لم يجد من يقول له: لِمَ؟ أو ينظر إليه نظرة عتاب!
..........
3- ضعف المبادرة الفردية:
نعني بالمبادرة الفردية اندفاع المجتمع إلى القيام بأعمال تطوعية خيرية ذات نفع عام.
و تعد المبادرات الفردية من المقاييس المهمة لفاعلية أي مجتمع؛فعلى مقدار ما يمر به المجتمع من مبادرات على مستوى الفكر و اليد تكون فاعليته و حيويته.
و المبادرة الفردية مرتبطة إلى حد بعيد بدرجة الصحة النفسية المتوفرة في المجتمع و بـ(الرضا الاجتماعي) السائد فيه؛كما ترتبط بفاعلية قيم الخير و الإحسان و خصوبة الخيال المبدع الذي يهدي إلى الأساليب و الوسائل المساعدة في إشاعة الخير و حل المشكلات؛و يرتبط قبل هذا و ذاك بالتربية البيتية و الاجتماعية الحرة التي تحفِّز المواهب،و تكسر حواجز الخوف،و تتيح الفرص لإجراء التجارب الاجتماعية الحيَّة.
و يلاحظ أن أفراد المجتمعات الإسلامية كانوا في أوج عطائهم السخيّ حين كانت الأُمّة في حالة انطلاق حضاري،و حين ساد الركود،و بدأت العجلات تدور نحو الخلف صار أكثر الناس لدينا يحمل نفسية (الموظف) الذي لا يعمل إلا في الحقل الذي رُسم له؛حتى في الأعمال الدنيوية صار أكثر أبناء المسلمين يخشون الأعمال الحرة،و يبحثون عن الأعمال و الوظائف الحكومية حيث لا مغامرة و لا مبادرة!
.........
4- النمطية:
إنّ ضعف الحراك الاجتماعي و الثقافي في المجتمعات النامية يؤدي إلى فقر في المعلومات،و فقر في النماذج و الصور الذهنية.
و هذا كله يجعل أكثر أبناء المجتمع فريسة للرؤى الأحادية الإجمالية البعيدة عن التنوع و التفصيل.
و هذا ما يمكن أن نسميه بالنمطية أو الانطباعية.
و المقصود بالنمط هنا: الشيء المكرر على نحو لا يتغير أو الشيء المتفق مع نموذج ثابت أو عام،و تعوزه السمات الفردية المميزة.
و من سمات الصور النمطية أنها ترتكز على الشائعات و الآراء التي لا تستند إلى براهين علمية،و إنما ترتسم من خلال الأوهام و المعلومات غير الدقيقة.
و من ثمّ فإنّ الصورة النمطية تكون محمَّلة بالمشاعر الذاتية و مشحونة بالعواطف الشخصية.
و حين تعلق فكرة ما في ذهن الإنسان أو المجتمع النمطي فإن تغييرها يحتاج إلى وقت طويل؛فشراء شيء من الخبز الرديء من أحد المخابز مرة واحدة كافٍ لأن يصدَّ عنه الإنسان النمطي سنة كاملة،و ربما الدهر كله.
و وقوع رجل في خطأ واحد كاف لتشويه صورته مدى الحياة،و هكذا...
و نجد في مجتمعاتنا الإسلامية تصنيفاً للشعوب صادراً عن التفكير النمطي؛فهذا شعب كسول،و هذا غبي، و آخر بخيل،و هكذا...مع أن في كل شعب من شعوب الأرض العديد من نماذج الخير و الشر و التقدم و التخلف مع تفاوت في بعض النسب.
و من مظاهر النمطية أنّ الأب يحبُّ أن يعمل أولاده في عين المهنة التي يعملها أو التخصص الذي يمارسه،كما أنه يريد أن يعوِّدهم نفس العادات التي تعوَّدها مع أنهم خُلقوا لزمان غير زمانه.
...........
5- الانفرادية:
يعدُّ تقسيم العمل أحد الآليات المهمة في جميع أصعدة التقدم الحضاري.
كما أنّ العمل بروح الفريق سمة بارزة من سمات التحضر،حيث يتوقف إنجاز الكثير من الأعمال و المشاريع على مدى استعداد أعداد معينة من المختصين و الفنيين و غيرهم للعمل بانسجام و وئام ضمن إطار نشط فعَّال.
و في هذا الصدد نجد لدينا أنواعاً من الإخفاق المتكرر في إيجاد موازنات عملية تحفظ للفرد خصائصه الفردية،و تجعل منه عضواً نشطاً في المجموعة التي ينتمي إليها.
و كثير من الأحزاب و الجماعات و المجموعات و اللجان ينتهي العمل فيها إلى إحدى صورتين: الأولى هي التشظِّي و التفتُّت،و الثانية: سيطرة نفر قليل عليها يلغي آراء الآخرين،و يحاول شطب الوجود الاعتباري لهم فيكون العمل في ظاهره جماعياً،و في باطنه تسليطاً فردياً!
و إذا ما حدثت نجاحات بذلت فيها جهود عظيمة متعددة حاول كثيرون أن ينسبوا إنجازها إلى أنفسهم مع غمط حقوق الآخرين!
.........
6- الشكليَّة:
هناك نوع من المقابلة بين الجوهر و المظهر،أو الشكل و المضمون،و غالباً ما تصرف شدة العناية بأحدهما عن الاهتمام بالآخر.
و إذا كان الإسلام قد ندبنا إلى العناية بالمظهر و التجمل في كل شيء إلا أننا لا نتمارى في أنّ النصوص توجِّهنا إلى صرف جل اهتمامنا إلى المضامين و الحقائق.
و حين تسيطر الشكلية على نفسية مجتمع فإنّها تأبى إلا أن تصبغ جوانب الحياة كافة،ابتداء بمراكز البحث العلمي و انتهاء بابتسامة عند اللقاء.
فتكبر الأسماء و العناوين،و تتضاءل المضامين،و تكثر الكتب،و تقل الأفكار،و تكثر الحركة و التشاغل،و يقل الإنجاز و العمل و هكذا...و من يمعن النظر في مجتمعاتنا الإسلامية اليوم يجد هذه السمات سائدة فيها إلى حد بعيد؛فنساء المسلمين يُنفقن على الحليِّ و الملابس و أدوات الزينة أضعاف ما تنفقه مثيلاتهنّ الأوربيات.
و تسمع بأسماء لامعة في جوانب مختلفة من حياتنا،و حين تقف على الحقائق تصاب بصدمة! و الناظر في المؤلفات الإسلامية التي أنجزت في القرون الخمسة الماضية – على الأقل – يجد أن أكثرها لا يعرض حقائق علمية،كما لا يمثل إضافات ذات قيمة في العلوم و المعارف التي عالجتها،و إنما يجد سيطرة (اللفظية) بشكل عجيب.
و كثير من الحواشي و الشروح لم يقدم نقوداً حقيقية بمقدار ما كان عبارة عن مماحكات لفظية تستهلك الطاقات الحيّة دون أي مردود يذكر.
و لعل طريقة التعليم القائمة لدينا على التلقين،لا التفكير و لا الحوار و المناقشة هي التي تجعل المرء يندفع إلى قول أي شيء بقطع النظر عن محتواه!
و لعل عدم مساوقة التربية البيتية – التي تؤكد على الجوهر – لما هو سائد من معايير الضبط الاجتماعي يجعل الإنسان يشعر بضرورة التماثل الاجتماعي – الذي لا يؤكد عادة إلا على الأشكال و المظاهر – مهما كانت قناعات المرء و معتقداته.
إنّ الشكلية و اللفظية تضادّان الروح العلمية.
و إن لدينا أفكاراً كثيرة جميلة لكنها لا تقبل التحول إلى واقع ملموس؛فهي بالتالي من باب الزينة الكلامية التي تزين بها مجالسنا،و نزجي بها أوقاتنا!
...........
7- مقاومة التغيير:
من شأن المجتمعات النامية أن تحوِّل العادات إلى مقدَّسات – بقطع النظر عن مشروعية ذلك أو فائدته –؛فقلة الخبرة الحياتية تجعل روح المغامرة ضعيفة بالإضافة إلى أن كل جديد يحتاج – بحسبه – إلى نوع من التكيف.
و خمود الهمة الحضارية لا يساعد عليه.
كما أن هناك أفراداً و شرائح اجتماعية ارتبطت مصالحها بالمألوف السائد؛فهم يبذلون جهودهم و ما في وسعهم لإبقاء كل شيء على ما هو عليه على نحو ما قال الله – سبحانه و تعالى –: (وَ كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) (الزخرف/ 23-24).
و قد أنتج السلف الصالح من الأفكار و المعلومات و النظم و الأوعية الحضارية المختلفة ما قلب ما كان مألوفاً في الجاهلية رأساً على عقب،و قد تقبَّل المسلمون ذلك برحابة صدر و حماسة،و لم يُثر فيهم تحسساً يذكر،كما لم يصدع مجتمعاتهم،و يحولها إلى ساحات حرب ثقافية.
و ذلك لأن فهمهم للمنهج الرباني كان أكمل من فهمنا،و هو منهج يخبرنا إلى الإنسان قاصر عن إدراك الحقائق دفعة واحدة؛و هذه المسألة هي الملجئ الأعظم إلى التغيير و التطوير.
و لو قدر لنا أن نقبض على الحقائق الكونية دفعة واحدة لانتَفَتْ سنن التدرج و التغيير و الهدم، و لكن ليس هناك ما يدل على أن شيئاً من ذلك سوف يحدث.
........
إنّ حياة المسلمين اليوم مثقلة بالبدع و بالكثير من الأشكال و العادات البالية التي تصادم عقيدتنا،أو التي لا تصادمها لكنها عالية التكلفة قليلة الفائدة،و مع ذلك فإنّ الناس جعلوها جزءاً من ثقافتهم و حياتهم؛و ليس هذا المقام مقام تفصيل.
هذه الأخلاق و أخلاق أخرى عديدة – على شاكلتها – حالت دون وضع المجتمعات الإسلامية في الوضعية الصحيحة المناسبة لفهم التحديات التي تواجهها ثمّ مقاومتها و التغلب عليها.
و ما ذكرناه هنا ليس سائداً في مجتمعات المسلمين وحدها بل في كل المجتمعات التي لم تؤمِّن نوعاً مناسباً من الانطلاق الحضاري المكافئ لروح العصر و حاجاته.
و مع كل ذلك فإن بوارق الأمل بتحسن أحوالنا تلمع في كل مكان مهما كان الظلام حالكاً.

..........
موقع البلاغ.


_________________
The key to immortality is first living a life worth remembering

Bruce Lee
avatar
In The Zone
Admin
Admin


عدد المساهمات : 4732
تاريخ التسجيل : 21/11/2010
الموقع : الأردن

منقول العقليِّة السائدة في المجتمعات النامية

مُساهمة من طرف In The Zone في الإثنين أكتوبر 07, 2013 6:31 pm

- العقليِّة السائدة في المجتمعات النامية:
نعني بالعقلية مجموعة العقائد الرئيسة و العادات النفسية و الصور الذهنية التي يحملها فرد من الأفراد.
في حالات الركود الحضاري يصبح أداء العقائد و المبادئ ضعيفاً،و هذا من جهته يولِّد انفصاماً بين الجانب النظري و الجانب العملي؛حيث تتم تحت السطح فهومات و تأويلات خاطئة لتلك المبادئ و توجد لها نوعاً من التكيف الشعوري و الفكري الخاطئ مع واقع خاطئ؛و بالتالي فإنّ الواقع لا يمثل المبادئ،و لا يعود عليها بالثراء و الصقل و الحيوية؛و ذلك كله يفضي إلى أن تكون مجمل الأحكام و التصورات الصادرة عن أكثر الأفراد في المجتمعات النامية موسومة بـ(اللامنطقية) و (اللامنهجية) على نحو ما نجده عند كثير من المسلمين اليوم حيث الانتفاع بالهدي الرباني معدوم، أو ضعيف؛كما أن معطيات الواقع السيِّئ لا تقود إلى الرشد الفكري،و حيث تتحكم الانفعالات و العواطف و الأحكام الشخصية و ردود الأفعال المضطربة.
و النتيجة هي المزيد من التيه و التخبط و الغشاوة! و هذه العقلية لا تخضع لعوامل الجنس و لا الوراثة – كما يحاول بعض الباحثين الغربيين إثباته – و لكنها خلاصة لعوامل تاريخية و اجتماعية و ثقافية كثيرة.
و ما سنذكره هنا من سمات هذه العقلية ليس خاصاً بالمجتمعات الإسلامية،كما انّه – بالطبع – ليس لكل مسلم لكنه يتجلى بوضوح لدى الأكثرية.
إن اختلال منهجية الفكر يقف عائقاً عسيراً أمام إدراك واقعنا،كما يقف عائقاً أمام محاولات النهوض و الإصلاح؛و من هنا فإن فهم العقلية السائدة في المجتمعات الإسلامية يُعدُّ من المداخل الأساسية لمعالجة مشكلات المسلمين.
.........
و يمكن أن نذكر من مفردات هذه العقلية ما يلي:
1- ضعف مثاقفة التساؤل:
دار الدنيا دار أسباب و مسببات،و إذا أراد الله – تعالى – أمراً هيّأ أسبابه و أزال موانعه؛ و من هنا فإنّ الوقوف على العلل و الأسباب مهم في فهم الظواهر المختلفة.
و الملاحظ أن في مجتمعاتنا قصوراً مريعاً في مثاقفة التساؤل عن أسباب الأحوال السيِّئة التي نعيش فيها.
و حين تتفتح الرغبة لدى الطفل في الفهم،و يمطرنا بتساؤلاته فإننا نسكته،أو نعطيه جواباً نحن لا نقنع به،بدل أن نشرح له،و نفهمه؛فنساعد الطفل بالتالي على أن يجيب على تساؤلاته بصورة خرافية وهمية.
و قد جرت عادة كثير منا في التعامل مع المشكلات أن يغرق في التفاصيل،و يهمل الأسباب،مع أن معرفة الأسباب أهم بكثير؛فنحن مثلاً لا نستفيد شيئاً من وراء التدقيق في معرفة أعداد القتلى في معركة صفين أو الجمل،لكن تشخيصنا للأسباب مهم في مساعدتنا على تفادي تكرارها.
و إذا ما أرادنا أن نبحث أسباب مشكلة اتجهنا مباشرة إلى النوايا؛فالهوى هو مصدر كل المشكلات و الأزمات مع أنه من العسير معرفة الدوافع الكامنة لدى الإنسان في كثير من الأحيان.
و بحث العوامل الأخرى المتصلة بالظروف و المصالح أسهل و أجدى.
و قد يجرنا الفكر الجبري – المتغلغل في بنية التفكير لدى كثير من المسلمين – إلى الانصراف عن بحث الأسباب و التعلل بالقضاء و القدر،مع أنّ القضاء و القدر يحتج بهما في المصائب – أي فيما لا كسب للإنسان فيه – لا في المعائب و الأخطاء و الخطايا.
إنّ التخلف سبب رئيس من أسباب ضعف التساؤل؛حيث إنّ الانطلاق الحضاري يأتي بطبعه بمزيد من التساؤل،كما يأتي بمزيد من الأجوبة.
و من خلال العلاقة الجدلية بينهما تولد حركة التقدم و الكشف المعرفي.
و قد تعودنا على صدّ كل من يطرح التساؤلات حول أسباب واقعة أو ظاهرة من الظواهر،أو نعطيه – في أحسن الأحوال – جواباً سطحياً سريعاً لا ينقع غلَّة،و لا يشفي من حيرة.
و ربما صار المتسائل موضع اتهام و تشكيك مع أنّ القرآن الكريم ردَّ على أسئلة عديدة توجه بها بعض الكفار إلى النبي (صلى الله عليه و على آله و سلم) كما أنّ الأحاديث الثابتة تفيض بأسئلة الناس و تلقي الأجوبة عليها.
إنّ تشابك المؤثرات و العوامل في الظواهر التي نعيشها يحتم علينا أن نفتح أبواب التساؤل على مصراعيها حتى تتوفر لدينا مجموعة من المؤشرات المختلفة إلى جذور تلك الظواهر و عللها.
فلا يكفي لمعالجة مشكلة الفقر أن نقول للناس: أنتم فقراء،أو اصبروا على الفقر،أو تخلصوا منه، و إنما عليك أن تبين لهم لماذا هم فقراء،و ما هي العوامل و الجهات التي أدت إلى ذلك.
..........
2- اضطراب منهجية التفكير:
في المجتمعات النامية تضطرب منهجية التفكير اضطراباً عجيباً في أمور عديدة؛فهناك خلط كبير بين ما هو كائن و بين ما ينبغي أن يكون؛فتصدر أحكام و حلول كثيرة بناء على مقدمات غير موجودة.
و هناك استنتاجات لا تستند إلى مقدمات،كما أن هناك مقدمات تُستخلص منها نتائج مع فقد الارتباط المنطقي و الواقعي بينها؛فمثلاً نبني على وجود الإيمان لدى شخص أن سيتقن عمله؛لأن إيمانه يملي عليه ذلك غافلين أنّ العقائد لا تؤدي وظائفها على أرض الواقع العملي دون مجموعة من الشروط الموضوعية و النفسية و الاجتماعية.
و لدينا نقص في الصبر على الاستقراء و الملاحظة إلى جانب الإسراع في إصدار الأحكام مهما تكن كبيرة؛و هذا عكس المطلوب؛حيث يتطلب تعقيد المعرفة و الحياة المعاصرة عامة المزيد من الحذر في إصدار الأحكام و مزيداً من الصبر في الملاحظة و الاستقراء.
و نجد في مجتمعاتنا أيضاً إسقاط القاعدة بالمثال الشاذ،مع أنّ الموقف المنطقي يوجب علينا أن نعدَّ الشذوذ مؤكداً للقاعدة،و ليس مسقطاً لها.
و من اضطراب المنهجية لدينا التعامل مع أعقد القضايا بالحدس و التخمين و التأمل الذاتي و الاعتماد على الأصول و المعطيات العامة بدل أن نقوم بفيض من البحوث و الدراسات حولها؛فنحن في زمان صار (الإحصاء) فيه ملك العلوم الاجتماعية و التجريبية،لكننا ما زلنا نتعلق بعصر انقرض كانت السيادة فيه للفلسفة.
إن كل ذلك لا ينتج سوى العجز عن تصور حجم المشكلات التي نعاني منها،و إلى العجز عن تقسيم تلك المشكلات إلى محورية و هامشية.

كما الاضطراب في منهجية التفكير أدى إلى عدم القدرة على ترتيب الأوليات بحسب أهميتها؛فنعالج الزكام و نترك النزيف.
و النتيجة هي الحيرة و التأزم و افتقار الحلول المطروحة إلى المتانة المنطقية.
..........
3- قصور التفكير الجدلي:
الإنسان هو مركز عالم الأحياء حيث سخر الله – تعالى – له ما في السماء و الأرض.
و الناظر في شأن هذا المخلوق العجيب يجد أن كل ما يتصل به على درجة عالية من التعقيد؛ فالعوامل و المؤثرات التي تتعاون في ولادة الشأن الإنساني كثيرة جدّاً،و هذا يتطلب ذهنية مركبة تبصر تبادل التأثير بين الجوانب المختلفة،كما تبصر تبادل العلاقات بينها و وزن تأثير كل طرف في الأطراف الأخرى.
و حين يعيش شعب في مرحلة تخلف أو ركود يكون التفكير الجدلي لديه ضامراً،فتنطلق الذهنية في نظرتها للأمور المختلفة من مبدأ (العزل و الفصل): الشيء قائم بذاته منفصل عن بقية الأشياء و الظواهر؛فهو ثابت معزول مع أنّ الأمر ينطق بأنّ كل شيء هو لذاته و للآخرين،و كل شيء هو دائماً في علاقة أو علاقات.
و من خلال العلاقات بين الأشياء و النظم و الأفكار تولد فيها جميعاً تحولات مطردة،و تلك التحولات قد تمس الجوهر،و قد تمس المظهر،و قد تكون كلية أو جزئية،بحسب موقع ما منها و محوريته و حدوديته في عمليات التغيُّر و التحول.
إنّ رؤية الأشياء على أنّها ثابتة و منفصلة يجعلها بمثابة (كتلة صلدة) مغلقة لا تقبل صرفاً و لا عدلاً.
و حين يتم إدراك التحركات فإنّه يتم إدراكها على أنّها تحركات (آليّة)؛فالشعوب الفقيرة – مثلاً – تظن أن حل جميع مشكلاتها متوقف على امتلاك المال.
و الشعوب المستعمَرة تظن أن حل مشكلاتها مرتبط بشكل آلي بخروج الاستعمار،دون النظر إلى أنواع المشكلات و صنوف الابتلاءات التي يفرزها الغنى،و دون النظر إلى ما تتسم به الشعوب المستعمرة من (قابلية الاستعمار) التي وطّأت لدخول الغزاة،و دون النظر إلى أنواع التحديات التي سوف تترتب على ذلك؛فقد خرج الاستعمار من بلاد كثيرة و لم تتحسن أحوالها،و هناك بلاد لم يدخلها الاستعمار لكن أوضاعها أسوأ من بلاد استعمرت حقباً طويلة من الزمن!
إن بعض المشكلات تكون عبارة عن أقنعة لمشكلات أخرى أكثر محورية،و من ثمّ فإنّ الخلاص من القناع لا يعني سوى وضعنا مع المشكلة المحورية وجهاً لوجه!
إنّ قصور التفكير الجدلي يملي – في الغالب – تفسير الظواهر الكبرى بسبب أو عامل واحد فالفقر لدى الشعب الفلاني سببه الكسل،و التخلف الصناعي لدى الشعب الفلاني سببه النقص في المواد الخام، دون أن يؤخذ بعين الاعتبار ظاهرة التقدم الصناعي الضخم في اليابان على الرغم من قلة المواد الخام،و دون السؤال عن الشروط الموضوعية التي أدت إلى الكسل و كيفية التعديل فيها.
و النتائج المتولدة عن ضعف التفكير الجدلي هي التصلب الذهني و عدم القدرة على التكيف و حجب رؤية النسبية في كثير من الظواهر و الأشياء و جعل الوسائل و الأساليب المستخدمة في التعامل مع المشكلات محدودة،و حجب رؤية التناقضات الذاتية (وفق سنة المدافعة) الموجودة ضمن ما يظن أنه كتلة واحدة؛و بالتالي عدم الاستفادة منها و استغلالها.
و المحصلة النهائية هي تراكم المشكلات و تعطيل الطاقات.
..........
4- ضعف الحاسة النقدية:
يتعاقب على حياة البشر طوران من العمل طور بنائي و طور نقدي.
و تنبع ضرورة الطور النقدي من أنّ البشر لا يستطيعون حيازة الكمال دفعة واحدة،و ما يتم إدراكه من يكون متفاوتاً بينهم لأسباب كثيرة.
و هذا و ذاك يجعلان الحاجة ماسة الى مساوقة الأعمال النقدية للأعمال البنائية حتى تستمر آلية الترقي و التطوير على وتيرة مناسبة.
و الملاحظ أن حركة النقد لدى الشعوب النامية ضعيفة و سوقه كاسدة أو راكدة.و ذلك في جزء منه نتيجة لبطء النمو و التطور،حيث لا يوجد ما يستحق النقد،و حيث إنّ الأعمال الصغيرة – بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى – لا تشجع على النقد،و حيث يتجه بعض النقاد إلى جعل الإمساك عن نقدها هو الموقف الصحيح تجاهها.
إنّ الذهنية – في البلدان النامية – تتسم في كثير من الأحيان بالقصور عن إدراك الصور الكلية، كما تتسم بضعف استلال النماذج الخاصة من بين أكداس المعلومات المتاحة.
و هذا و ذاك يجعلان نمو الملكات النقدية محدوداً.و حين يتم النقد فإنّه يوجه غالباً إلى السلبيات، مع أنّ النقد عملية تقويمية شاملة؛و من ثمّ فإن بيان ما يشتمل عليه المنتقد من مساحات الخير و الجمال و الصواب أمر ضروري لإثراء فن النقد و صقل معاييره،كما أنّه يساعد على تلطيف الأحكام الصادرة من خلال الوزن المنصف لمختلف جوانب العمل و أبعاده.
و يلاحظ أنّ النقد لدينا يوجه إلى الأشخاص،و في أحسن الأحوال إلى المواقف،مع أنّ النقد ينبغي أن يوجه إلى الثقافة السلبية التي تمثل الدوافع و الحوافز و الفضاء النظري للموقف المنتَقَد.
و الباعث على ذلك هو طلب السهولة في عملية النقد و التقويم،حيث إنّ نقد الثقافة من أشق الأعمال؛فنحن لا ندرك – غالباً – سلبياتها إلا من خلال إفرازاتها.
و يلاحظ أيضاً أنّ الذهنية في البلدان النامية تتجه إلى نقد القضايا الصغيرة و المسائل الفرعية مع أن اختلاف الأذواق و الأفكار و المواقف منها أمر سائغ،حيث إنها مناط الاجتهاد.
و كان ينبغي توجيه النقد إلى المنظومات الجوهرية و المحورية و إلى القوانين العامة التي تغذي المسائل الصغرى،و تهيمن عليها،و توفر لها المناخات اللازمة؛فحين تصبح ظاهرة الضعف اللغوي – مثلاً – حادة فإن علينا ألا نقرع مدير المدرسة أو مدرساً أو طالباً،و إنما علينا أن نراجع النظام التعليمي كله و بكل جوانبه،و حين تكثر الحوادث المرورية فإن علينا أن نراجع تثقيفنا المروري للناس،كما أن علينا أن نراجع الجزاءات و الأنظمة المرورية المختلفة و هكذا...
و من مشكلاتنا أيضاً أننا لم ننجح في الفصل بين القضايا موضع النقد و بين الجوانب الشخصية؛ فنعتقد أن نقد الفكرة هو نقد لصاحبها؛فنحجم عن نقدها؛حتى لا نخسر العلاقة الحميمة مع صاحبها،و هذا على الرغم من أنّ الفكرة حين تشيع تصبح ملكاً للثقافة و أهلها.
و من حقهم توضيح موقفهم منها،و على الرغم أيضاً من أن تراثنا مفعم بالمواقف النقدية بين الأقرباء و الأصدقاء و التلامذة و شيوخهم.
و مما أضعف حركة النقد لدينا ادعاؤنا الدائم للكمال و تمجيد الذات و الخلو من المشكلات؛مما يجعل أي نقد عبارة عن خدوش في الصورة الصقيلة التي نحاول إعطاءها! و هذا يشبه عمل من يحاول حجب الشمس بكفّه! إنّ المشكلات التي تحيط بنا لا تتبخر بالتجاهل،و لكنها تتراكم و تتفاعل؛لتظهر في صورة انفجارات اجتماعية تذهب بالصالح و الطالح!.
........
- النفسية السائدة في المجتمعات النامية:
إنّ الحالة الراهنة التي تحياها الأُمّة اليوم عبارة عن محصلة نهائية لمجموعة ضخمة من التجارب غير الناجحة أو الناجحة نجاحاً جزئياً غير كفء؛و لابدّ لهذه الإخفاقات التي تم إنجازها في الواقع التاريخي و الواقع المعاش من أن تترك انعكاسات نفسية عديدة تؤدي إلى تأصيل عدد من الصفات النفسية المَرَضية التي تسهم من جانبها في توكيد ظاهرة الركود الحضاري على نحو ما كانت بعض ارتكاساته.
و حديثنا عن بعض تلك الصفات لا يمنح براءة بالصحة النفسية للمجتمعات المتقدمة صناعياً؛حيث إنها تعاني من تأزمات و انتكاسات نفسية و خلقية و اجتماعية رهيبة جدّاً،و منذرة بتدمير كل ما تم إجازه على الصعد المادية كافة؛لكن نوعية الأمراض هناك مختلفة عن نوعية الأمراض التي نعاني منها من جوانب عديدة.
إنّ الهوة السحيقة التي تفصل بين كينونة المسلم على المستوى العقدي و بين واقعه السلوكي المعاش كافية بمفردها لأن تكون مصدراً لعدد من الأمراض و الأعراض النفسية؛فكيف إذا أضفنا إليها عقابيل و ارتكاسات الفقر و المرض و تسلط الأعداء؟
.........
أخلاق المجتمعات النامية و ذهنيتها و نفسيتها.
موقع البلاغ.


_________________
The key to immortality is first living a life worth remembering

Bruce Lee
avatar
In The Zone
Admin
Admin


عدد المساهمات : 4732
تاريخ التسجيل : 21/11/2010
الموقع : الأردن

منقول رد: أخلاق المجتمعات النامية و ذهنيتها و نفسيتها

مُساهمة من طرف In The Zone في الإثنين أكتوبر 07, 2013 6:35 pm

و يمكن أن نذكر بإيجاز بعض الخصائص و السمات السائدة في مجتمعاتنا على الوجه التالي:
1- القهر:
إنّ الإسلام يحث المسلم على أن يكون واقعه عبارة عن استجابات مستمرة للآمر العقدي،حيث يشعر بالانسجام و نشوة الإنجاز.
و حين يجد المسلم واقعه المعاش بعيداً عما تفرضه عقيدته عليه فإن ذلك سيكون مصدر إزعاج و قلق.
و يكمِّل ذلك ذل الحاجة و قلة الحيلة و مهانة الخضوع لتكون النتيجة النهائية عبارة عن إحساس المسلم بالحصار المرهق ذي الأطواق العديدة!
إنّه القهر الذي يكبت أو يشوِّه كل الملكات المتفتّحة،و كل جوانب الحيوية في شخصية الإنسان،مما يؤدي إلى صراع داخلي رهيب بين العوامل الخارجية القاهرة و بين المرتكزات الفطرية النفسية لحياة حرة كريمة.
و تكون النتائج غالباً عبارة عن خضوع و امتثال خارجيّين إلى جانب الانطواء على روح الانتقام من كل الجهات التي تسببت في إذلاله و إهانته.
و حينما تسنح الفرصة للانتقام فإنّه لن يقصِّر بالتذرع إليه سواء أكان ذلك بأفكار غالية متطرفة،أو إطلاق النكات و ترويج الشائعات السيِّئة...
...........
2- فقد الثقة بالنفس:
إنّ الإنسان الناجح يدفع بأولاده إلى النجاح من خلال تعزيز ثقتهم بأنفسهم.
و إنّ الذي يفقد ثقته بنفسه غالباً ما يشكك الآخرين في ثقتهم بأنفسهم ما لم ير نمطاً رفيعاً لا يقبل الجدل فإنّه حينئذٍ يخضع له بدل أن يتعلم منه!
و فقد الثقة بالنفس و بالآخرين يفرز نوعاً من الخوف العام من كل جديد و كل ما يخالف المألوف؛ مما يؤدي إلى انحسار الذات و فقد الكفاءة الاجتماعية و تقلص المجالات الحيوية لحركته و نشاطه. و إذا كان لا شيء يغري بالنجاح،كالنجاح نفسه فإن استعادة الأُمّة للثقة بإمكاناتها متوقف على محاولاتها تسجيل عدد من النجاحات العالية،و ما ذلك عنها ببعيد و لا عسير.
.........
3- الشخصية الازدواجية:
إنّ الظروف السيِّئة التي يحياها أكثر المسلمين على المستوى الثقافي و الاجتماعي و الاقتصادي تجعله في نوع من المحنة الدائمة؛فالمنظومات المكونة لكينونته ليست في حالة وئام مُرْضٍ.
و الامتثال الاجتماعي يفرض عليه تصرفات و مواقف ليس لها رصيد في قناعته.
و ظروف الحياة المختلفة تجعل تطلعاته و حاجاته أكبر من الإمكانات المتاحة لتلبيتها؛و نتيجة لكل ذلك فإنّه يسوغ لنفسه السلوك المزدوج؛فالعامل إذا كانت عليه رقابة،و هو يكيل المدائح لرب العمل،و يظهر الحرص عليه كلما موجوداً،فإذا غاب اختلف كل شيء.و الدرس النموذجي للأستاذ إنما يكون عند وجود الموجه و المفتش و هكذا...
و عدم تكافؤ التربية المنزلية مع الضبط الاجتماعي العام أدى إلى أن يكون لكثير من الناس سلوكان خيرهما ما كان أمام الناس؛فيظهر المجتمع و كأنّه يرتدي حلل العافية على حين أنّ الأمراض و الأوبئة المختلفة تفتك به!
و هذا الوضع أسهم بصورة كبيرة في عجز المجتمعات النامية عن الإحساس بمشكلاتها بصورة صحيحة حيث التلوّن الدائم في كل شيء،كما أدى إلى ازدراء الإنسان لنفسه حيث يشعر بالجبن و الضعف عند المواجهات الجادة.
.......
4- الآنية:
إنّ للديمومة أبعاداً ثلاثة: الماضي و الحاضر و المستقبل.
و بين هذه الأبعاد نوع من الترابك الجدلي،و حين يكون الإنسان في حالة سوية فإنّه يأخذ العبرة من الماضي و القوة من إمكانات الحاضر ليخطو من خلالها جميعاً نحو عتبة المستقبل.
لكن الشأن في المجتمعات النامية يظل مختلفاً حيث نجد اهتماماً باللحظة الحاضرة لا على سبيل الاستثمار و الاستفادة،و لكن على جهة الاستهلاك و إشباع الرغبات مع العجز عن التضحية بها في سبيل الغد؛و هذا مع أن من أركان فلسفة التدين التضحية بشيء من العاجل لنيل الآجل؛لكن الإنسان حين يكون في حالة انكماش حضاري تكون فائدته من مبادئه محدودة حيث إن من شروط الانتفاع بالمبادئ توفر درجة مناسبة من التوتر الحيوي و التوثب الروحي.
و تلك لا تتوفر في حالات التخلف و السكون.
و الآنية التي يجنح إليها الإنسان عندنا جاءت انعكاساً لضعف الضمانات المختلفة التي يحتاجها النظر إلى المستقبل؛فالاضطرابات الموجودة على المستويات المختلفة جعلت ثمة شعوراً عميقاً بضرورة اقتناص اللحظة مهما كانت العواقب وخيمة؛و من هنا نجد أنّ الناس لا يقبلون على الاستثمارات طويلة الأجل،كما أنّ الخطط الاستراتيجية التي يتم وضعها لا تنفذ إلا جزئياً،و أحياناً بصورة مشوهة.
و الإنسان في أفريقيا و بعض مناطق جنوب شرق آسيا ينغمس اليوم في الفاحشة مع أنّه يرى أمام عينيه ضحايا مرض (الإيدز) أكثر من انغماس الغربيين نظراً للآنية التي انصبغت بها مشاعره،و نظراً لضعف حاسة الاعتبار و حاسة الاستشعار عن بعد لديه!
مشكلة الآنية هذه حرمتنا من إشباع حاجة (التجذر) التي لا يمكن تلبيتها إلا من خلال التواصل الحي مع الماضي،كما حجَّمت المجال الحيوي أمام أنشطتنا إلى أدنى حد؛فاختنقت أعمال و أفكار كثيرة.
..........
5- الشعور بالدونية:
حاولت منظمة (اليونسكو) في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أن تروج لفكرة تساوي الثقافات و أحقية الشعوب في الخصوصية الثقافية؛فلا توجد ثقافة متقدمة و أخرى متخلفة.
و ما زال هناك من يروج لذلك إلى يوم الناس هذا.
و هذه الدعوة صحيحة على المستوى النظري لكن على المستوى العملي فإن صحة هذه الدعوة جزئية، و ذلك في الجزء الذي لا تحكمه المعايير العالمية موضع الإجماع من كل الثقافات.
و مع صحة القول بأنّ المعايير العالمية المزعومة قامت على أسس ثقافية غربية إلا أنّ الصحيح أيضاً أن هناك إجماعاً ثقافياً عالمياً على تحبيذ بعض المبادئ و الفعاليات و السلوكيات و المظاهر؛فلا توجد ثقافة تدعو إلى الكسل و المرض و الجهل و الخنوع و الفوضى – على المستوى النظري على الأقل – و هذه السمات بما أنها من مظاهر الركود الحضاري و مسبباته موجودة بكثافة في المجتمعات النامية.
و إذا ما أضفنا إلى ذلك الندوب و التشويهات النفسية العميقة التي تركتها مرحلة الاستعمار – عرفنا الأسباب التي تجعل كثيراً من أبناء الشعوب النامية يشعرون بعقدة النقص؛فهناك من يخجل من لونه،و من يخجل من الانتساب إلى بلد أو شعب أو أُمّة،و هناك من يخجل من اللغة أو الزي أو نوعية الطعام السائد في بلده...
و طاول ذلك المنتجات التي تنتجها الشعوب النامية،حيث صارت كلمة (منتَج وطني) عند العديد من الشعوب رمزاً للرداءة شكلاً و مضموناً.
و أدى هذا إلى زهد في كلما هو محلي،و تقليد أعمى لما هو موجود في المجتمعات الصناعية،و لو كان متخلفاً و موضع شكوى لدى أهله.
و تجاوز الأمر ذلك كله إلى (التماهي) بالمستعمر في احتقار ابن المجتمع النامي لأبناء وطنه و محاولة ممارسة عين الدور الذي مارسه المستعمر!.
و هذا نوع من المبالغة في الفرار من المهانة النفسية للإنسان لدينا لكن بصورة انتكاسية.
و كان ذلك البديل الأسوأ عن محاسبة أولئك المستعمرين الذين بذروا كل عوامل التخلف و الشقاء و الشقاق قبل رحيلهم!
..........
6- طغيان الانفعال:
يمثل الجانب العاطفي و الجانب العقلي العنصرين الأكثر أهمية في شخصية الإنسان.
و حين يكون الإنسان في حالة طبيعية سوية فإنّه يستخدم الجانب العقلي في إدراك القضايا و التكيف مع الظروف الطارئة و التخطيط الشامل لكل جوانب الحياة.
أمّا الجانب العاطفي فإنّه يكون منبع التواصل الأسري و الاجتماعي،كما يكون مصدراً للطاقة التي نحتاجها في الاندفاع نحو الأعمال المختلفة.
لكن الإنسان لدينا متحيز إلى جانب العاطفة الجياشة – في أكثر الأمر – و ذلك الميل خلاصة مركَّزة لكل أنواع الإخفاق و القصور على المستوى الفكري؛فالضمور هناك لابدّ من يقابله نمو هنا.
و تأخذ الانفعالية لدينا طابع الهيجان الذي يؤدي إلى الإضرار بالقضية مصدر الانفعال،فيكون الشأن كحال سيارة مضت في منحدر دون أن يكون ثمّة سائق يوجهها.
كما أنّ الانفعال لدينا يتسم بالقصر،فيكون بمثابة (لحظة تفريغ) أكثر من أن يساعد على تجاوز أزمة أو مشكلة.
و الذي يستمع إلى وسائل الإعلام في العالم الإسلامي يجد أن كثيراً منها ليس لديه سوى بث الشكوى و الأنين و الدعوة إلى الثأر و الانتقام من الأعداء،أو التغني بالأمجاد و البطولات و ترديد أناشيد التحفيز على عمل شيء ما،لكن المؤسف أن ذلك كل ما نفعله!
إنه نشاط فمي عاطفي ليس أكثر،أما النتائج على الأرض؛فهي كما قال المثل العربي القديم: "أشبعتهم سباً و أودوا بالإبل"!
...........
7- الإسقاط:
إنّ المشكلات التي تعاني منها مجتمعات النمو عديدة و إن كل واحد من أبنائها يحمل – و لا شك – بين جنبيه قسطاً من الكرامة و الأنفة.
و هو في محاولة تنمية ذلك الجزء أو الحفاظ عليه يندفع بشكل عفوي نحو اصطناع آلية يسوّغ من خلالها وضعية الواقع الذي يعيشه،و ذلك بإلقاء أسبابه و تبعاته على عدو خارجي لا يمت إلى ذلك المسوغ بصلة في مجال عمله الحيوي على الأقل.
و في البداية فإن مما لا ريب فيه أنّ المسؤولين عن واقع الشعوب الإسلامية عديدون،و أنّ للاستعمار و الظروف الصعبة،و ما خلفه الآباء و الأجداد من تركات ثقيلة تأثيراً لا يستهان به في بذر ركائز هذا الواقع و مدّة بأسباب البقاء و الاستمرار؛كما أنّ للقصور الذاتي الذي يتسم به الإنسان لدينا مساهمته الفعالة في ذلك؛لكن الأمور لا تطرح لدينا على هذا النحو،و إنما توجه أشعة النقد نحو الخارج دائماً مع تبرئة النفس من أيّة مسؤولية،مع أنّ القرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى أنّ القصور الذاتي هو العلة الكبرى في حصول المآسي و النكسات،كما قال سبحانه: (أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران/ 165).
و قال جلّ و علا: (وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عمران/ 120).

إسقاط واقعنا المؤلم على الآخرين يأخذ أشكالاً متعددة و ضمن دوائر مختلفة؛ففي التعليم – مثلاً – يلقي أساتذة كل مرحلة مسؤولية ضعف الطلاب على الأساتذة في المرحلة التي قبلها،و المدرسة تلقي المسؤولية على الأسرة؛و الأسرة تلقي المسؤولية على المدرسة فتعود المدرسة لتلقي المسؤولية على نظام التعليم أو أولياء الأمور أو أي شيء آخر.
أما التخلف العام فإنّ الشعوب تلقي مسؤوليته على الحكومات،و الحكومات تلقيها على الاستعمار الذي نهب خيرات البلاد قبل أن يرحل!
و قد يلقي جيل من الأجيال مسؤولية تخلفه على كاهل الأجيال السابقة التي لم تخلف سوى الديون و الأرض المحروقة؛حتى وصل الأمر إلى أن أصبح لسان الحال ينطق بالمقولة الذائعة: "مشكلاتنا صنعها الجيل السابق و سوف يحلها الجيل اللاحق" أما نحن فأبرياء من كل تبعة!
هذا التخريج السيِّئ لما نحن فيه أفرز شعوراً بـ(الجبرية)؛فكل ما يجري في مجتمعاتنا مفروض فرضاً، و لا حيلة لنا فيه،كما أثمر الإسقاط أيضاً ضعف الشعور بالحاجة إلى النقد الذاتي؛فما دامت مشكلات كل فرد و كل مؤسسة من صنع الغير،فلماذا النقد،و لماذا المراجعة؛و نحن لا نملك محاسبة من تسبب لنا بالمتاعب!
و العاقبة المتحارجة التي نفضي إليها هي لا محاسبة و لا مراجعة،و لا تفكير في الإصلاح و التغيير.
و الحصاد هو مزيد من التأزم ثمّ التفجر النفسي و الاجتماعي! و لله الأمر من قبل و من بعد.
........
المصدر: كتاب نحو فهم أعمق للواقع الإسلامي.
موقع البلاغ.



_________________
The key to immortality is first living a life worth remembering

Bruce Lee

    الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 16, 2017 7:27 pm