جـوهـرة الـونشريس

جوهرة الونشريس،،حيث يلتقي الحلم بالواقع،،
هنـا ستكـون سمـائي..سأتوسد الغيم..و أتلذذ بارتعاشاتي تحت المطــر..و أراقب العـالم بصخبه و سكونه و حزنه و سعـادته..
هنـا سأسكب مشاعري بجنون..هذيانا..و صورا..و حتى نغمــات..
جـوهـرة الـونشريس

حـيث يلتـقي الـحلم بالـواقع


أي دور للإعلام في التنمية المحلية؟.

شاطر
avatar
In The Zone
Admin
Admin


عدد المساهمات : 4732
تاريخ التسجيل : 21/11/2010
الموقع : الأردن

حصري أي دور للإعلام في التنمية المحلية؟.

مُساهمة من طرف In The Zone في السبت أكتوبر 22, 2011 12:01 pm

أي دور للإعلام في التنمية المحلية؟
التجاني بولعوالي.
................................
كيف نفهم مصطلح الإعلام.
في الحقيقة،عندما نقرأ ما يكتب حول مفهوم الإعلام،يستفاد من ذلك أن هذا المصطلح يعني بصفة عامة،نشر الأخبار و المعلومات و الإعلانات على الجماهير عن طريق وسيلة ما من وسائل الإعلام(1).
غير أن هذا التعريف المتداول و غيره من التعريفات المختلفة،التي يكاد يحسبها الكثيرون جامعة مانعة،هل من شأنها أن تبين حقيقة مصطلح الإعلام بدقة و وضوح،لاسيما في العصر الحديث حيث صار الإعلام يتخذ أبعادا جديدة،يلتبس فيها الثقافي بالسياسي،و العلمي بالأيديولوجي،و ما إلى ذلك!
إن التحول العميق الذي شهدته حياة الإنسان في العصر الحديث،اعترى مختلف المستويات و الجوانب، فلم يكن الإعلام بمنأى أو منجى من ذلك،بقدر ما كان العنصر الأكثر حظا من ذلك التحول،كيف لا؟ و قد كان نفسه طرفا مشاركا و فعالا في تحول العالم و تبدله،فلم يعد الحديث عن الإعلام باعتباره مجرد آلية لتوصيل الخبر،و إنما بوصفه قوة لازوردية تؤثر بشكل سحري في الجمهور،و من ثم تساهم في تشكيل أفهامهم و توجيهها،كما أنه لم يعد الحديث عن الصحافة باعتبارها سلطة رابعة،و إنما سلطة أولى!
على هذا الأساس،فإن مفهوم الإعلام توسع أكثر،فاقتصرت تعريفاته اللغوية و الاصطلاحية العتيقة على المعاجم و البحوث الأكاديمية التقليدية،أما الدراسات الإعلامية الحديثة،فلا تلتفت إلى تلك التعريفات المستهلكة،بقدر ما تربط مفهوم الإعلام بالواقع المعاصر،و ما يعتريه من أحداث و مستجدات سياسية و اقتصادية و ثقافية و تكنولوجية،مما سوف يجعل مفهوم الإعلام يتخذ دلالات جديدة تحيل على السلطة و القوة و التأثير و الهيمنة و السيطرة و غير ذلك.
فصاحب كتاب (المتلاعبون بالعقول) هربرت أ. شيللر،يفسر في مقدمة الكتاب،كيف يتحول الإعلام من جهة أولى،إلى عملية تضليل،و من جهة ثانية إلى أداة قهر و قمع! فعندما "يعمد مدير و أجهزة الإعلام إلى طرح أفكار و توجهات لا تتطابق مع حقائق الوجود الاجتماعي،فإنهم يتحولون إلى سائسي عقول،ذلك أن الأفكار التي تنحو عن عمد إلى استحداث معنى زائف...ليست في الواقع سوى أفكار مموهة أو مضللة!".
ثم "إن تضليل عقول البشر هو،على حد قول باولو فرير، "أداة للقهر".
فهو يمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى "تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة".(2)
و قد توقف المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي في كتابه (السيطرة على الإعلام)،عند جانب الدعاية المضللة للإعلام،فرأى أن مواجهة تمرد القطيع/الشعب في الدولة الشمولية أو العسكرية يتم بسهولة تامة،إذ "فقط عليك أن تمسك بهراوات فوق رؤوسهم،و إذا خرجوا عن الخط ما عليك إلا أن تحطم تلك الهراوات فوق رؤوسهم، ولكن في مجتمع أكثر ديمقراطية وحرية، فقدت هذه الوسيلة، فعليك إذن اللجوء إلى أساليب الدعاية و المنطق،فالدعاية في النظام الديمقراطي هي بمثابة الهراوات في الدولة الشمولية،و هذا أمر يتسم بالحكمة".(3)
أما المفكر المغربي د. المهدي المنجرة،فيدرك بعمق أن مفهوم الإعلام هو أكبر مما تحدده المعاجم، فهو حسب فهمه "المادة الأولية للمعرفة باعتبار أن المعرفة إعلام قد تم تركيبه و تأليفه حسب تصور معين"(4)،و قد أصبح الإعلام يتجه حاليا إلى تحويل مجتمع الإنتاج الصناعي إلى مجتمع إعلام و معرفة،فترتب عن ذلك أنه صار "مصدر تفاوت و تسلط سياسي و تفوق عسكري و هيمنة اقتصادية و ثقافية"(5).
....................................
1- ما هي أهم شروط الإعلام المنشود؟
في خضم هذه الرؤية،نشأ لدي وعي أكيد بأن الاستمرارية السليمة،لا تتحقق في العصر الحديث إلا للأمم و الشعوب التي تملك إعلاما متوازنا و قويا،و هذا الإعلام لا يتشكل فجأة،و إنما ينبثق من تراكم علمي و معرفي،يشهد بتجارب و إنجازات سابقة مهدت تدريجيا لنشأة هذا الإعلام القوي و تشكله.
هكذا فإن آفة العالم العربي و الإسلامي تتحدد في غياب إعلام قوي،يؤدي أكثر من وظيفة حضارية، بدءا بمحو الأمية...وصولا إلى الدعوة المنظمة إلى الإسلام.مما فتح الباب أمام الغزو الإعلامي الأجنبي،فأصبح العالم الإسلامي كله حقل تجارب لكل من هب و دب،من الشرق أو من الغرب!
لذلك،ليس أمامنا إلا أن نمضي على هذا النحو،و نحن كلنا إيمان بأنه لم يبق في أيدينا إلا رهان واحد،يمكن أن نبين من خلاله حقيقة حضارتنا الإسلامية؛للذات و للآخر،للحاضر و للمستقبل،لأننا جربنا كل الرهانات من دبلوماسية و مقاطعة و مواجهة و تبعية و غير ذلك،غير أننا فشلنا فشلا ذريعا! و هذا الرهان،هو رهان الإعلام،لكن ليس أي إعلام!
ترى بأي إعلام نستطيع أن ننفتح على الآخر،فنتمكن من إيصال حقيقتنا الدينية و الحضارية إليه؟
في واقع الأمر إن ذلك الإعلام،الذي يمكن وصفه بالقوي و المتوازن،يقتضي جملة من الشروط،التي تتحدد أهمها كالآتي:
• النهج العلمي: و المقصود به حضور البعد العلمي في الأداء الإعلامي و الصحافي،الذي من شأنه أن ينظم المعرفة الإعلامية،مبنى و معنى،مضمونا و أسلوبا،فيجنبها السقوط في الإسفاف و العشوائية،لاسيما و أن أغلب ما ينشر و يبث في وسائل الإعلام يفتقد العلمية و التنظيم و الدقة،لذلك فهو يندرج في نطاق ذلك الخطاب الإخباري أو الدعائي المرحلي،حيث قلما نصادف الصحافة العلمية،ليس فيما يتعلق بجانب المحتوى فحسب،و إنما بجانب الأداء كذلك.
• الحس الموضوعي: و يعني طلب الموضوعية باعتبارها "دراسة الظواهر كأشياء لها وجودها الواقعي الخارجي و منفصلة عن كل ما هو ذاتي شخصي كالآراء المسبقة و الرغبات و النزعات و الأهواء الشخصية"(6).
فما أحوج إعلامنا العربي و الإسلامي إلى الابتعاد عن العاطفة و الانفعال،و تجاوز لغة الانطباعات إذ أن معظم ما يقدمه الإعلام العربي و الإسلامي،يظل حبيس دائرة الخصومات الشخصية و الصراعات الأيديولوجية،حقا إن هذه الأمور يمكن أن تشكل مضامين إعلامية ساخنة و جادة،غير أن ذلك يقتضي أداء واقعيا خلوا من الآراء التنميطية المسبقة و الأهواء الشخصية و السياسية.
• تحري المصداقية: و كلمة المصداقية مشتقة من الصدق،و هي تعني مطابقة القول للعمل،أي أن ما يقوله الإنسان و ما يعد به،ينعكس في أعماله و سلوكاته،و ما ينطبق على الإنسان ينطبق كذلك على الإعلام،الذي يتحتم عليه أن يكون صادقا في نقله لقضايا الواقع،غير أنه قلما نجد وسائط إعلام تضع في الحسبان جانب الصدق،فثمة من الوسائط من يطوع تلك القضايا و يوظفها لأغراض إيديولوجية و سياسية،و ثمة من يروج مغالطات لا أساس لها من الصحة و الواقعية،لذلك نشأت في أذهان الناس مسلمات تحط من قيمة الإعلام،و لا تحسبه إلا ناقلا للأراجيف،و مسوقا للشائعات.
• الرؤية المتوازنة: و يراد بها أن يشمل الإعلام جوانب الحياة و مجالاتها كلها،فلا يهتم بمجال معين على حساب مجال آخر،كالرياضة أو السياسة أو الأخبار اليومية،كما نجد في أغلب وسائل الإعلام العربي و الإسلامي،في حين يكاد ينعدم الإعلام التربوي أو التعليمي،و يقل إعلام الطفل،و غيرهما. هذا على المستوى العام،أما على المستوى الخاص،الذي يعني به التوازن الذاتي لكل وسيلة إعلام على حده،سواء أكانت جريدة أم إذاعة أم قناة أم موقع رقمي أم غير ذلك،فينبغي أن تشمل تلك الرؤية كل حيثيات تلك الوسيلة،من شكل و مضمون و أداء و آليات و ما إلى ذلك.
• بصيرة الاستشراف: إن الإعلام لا يقف عند وصف الكائن و نقله فحسب،و إنما يضيف إلى ذلك خاصية أساسية و هي التوقع بما سوف يحصل،و استشراف الممكن،و لا تتأتى هذه الخاصية إلا لذلك الإعلام الموجه و المتمكن،الذي يكتسب مع مرور الأيام و تراكم التجارب،بصيرة استشرافية تستشعر بناء على أحداث الواقع و معطياته،كيف سوف يكون المستقبل القريب أو المتوسط،و بنسبة أقل المستقبل البعيد.
..............................
كيف نفهم مصطلح التنمية؟
إن الاقتصاديين يكثرون من استعمال عبارة التنمية،التي يقصدون بها رفع مستوى الدخل القومي بزيادة متوسط إنتاج الفرد،لكن هذه العبارة لم تبق محصورة في المجال الاقتصادي،بقدر ما نزحت نحو أغلب حقول العلوم و المعارف الإنسانية،فيطلق على أية طريقة تستهدف تحسين وضعية ما أو تطويرها،من حالة الرداءة إلى حال الجودة و العطاء تنمية،التي يعبر عنها في المعاجم اللغوية بتكثير الشيء و زيادته؛فتنمية النار في إشباع وقودها،و تنمية التجارة في رفع أرباحها و رأسمالها،و تنمية الجوار في تطوير العلاقات فيما بين الدول المجاورة،و هكذا دواليك.
و قد تناول د. إبراهيم العيسوي قضية التنمية في كتابه (التنمية في عالم متغير)،حيث تعرض إلى التطور التاريخي لهذا المصطلح،يقول: "إذا تتبعنا تطور مفاهيم التخلف و التنمية،فسوف نجد أنها قد مالت في أول الأمر إلى التركيز على جانب النمو الاقتصادي و ما يتحقق فيه من إنجاز.فقد كان التعريف الشائع للبلدان النامية منذ أواخر الأربعينات حتى أواخر الستينات أنها البلدان التي ينخفض فيها مستوى الدخل الفردي كثيرا بالقياس إلى مستواه المتحقق في البلدان المتقدمة.و عرفت التنمية بأنها الزيادة السريعة و المستمرة في مستوى الدخل الفردي عبر الزمن".(7)
إلا أنه سوف يكتشف بأن هذا المفهوم الذي يختزل التنمية في مجرد النمو الاقتصادي السريع،ضيق و غير صائب،لأن ثمة بلدانا نامية عديدة،كما يستخلص الباحث،حققت معدلات نمو للدخل القومي قريبة من المعدل الذي حدده خبراء التنمية،غير أنها بقيت مستويات المعيشة بها متردية،و ظلت الكثير من قطاعاتها تتخبط في الفقر و الجهل و المرض و التخلف.(ثمانية)
على هذا الأساس،فإن مفهوم التنمية سوف يحافظ على البعد الاقتصادي،و في الوقت ذاته يضيف إليه أبعادا متعددة،و هكذا فإن خبرة الخمسينات و الستينات سوف تساعد "على صقل المفهوم الأوسع للتنمية،بتحجيم دور العنصر الاقتصادي في مفهوم التنمية (أي النمو الاقتصادي)،و بإبراز دور الجوانب المؤسسية و الهيكلية و الثقافية و السياسية".(9)
و تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن المؤرخين لمفهوم التنمية يميزون بين ثلاث مراحل أساسية مر بها هذا المفهوم،و هي على التوالي:
• مرحلة الفكر الرأسمالي: و تعتبر فيها الحرية الفردية من أهم دعامات النموذج الرأسمالي،الذي يمنح الفرد حرية تكاد تكون مطلقة،على حساب الجماعة،و تشمل هذه الحرية مختلف ممارسات الحياة و جوانبها،كالدينية و الثقافية و الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية،و قد ارتبط ظهور مفهوم التنمية في الفكر الرأسمالي بما هو اقتصادي،حيث يتمتع الفرد بالحرية في نشاطاته الاقتصادية،و لا تتدخل الدولة فيها،إلا بشكل جزئي،عندما يتعلق الأمر بالضرائب،أو بالحماية النسبية من المنافسة.
و قد سعت العديد من دول العالم الثالث،بما فيها المنطقة العربية،إلى استيراد النموذج التنموي الرأسمالي،غير أنها لم تفلح في أن تستنبته بشكل سليم و مثمر في مجتمعاتها النامية،بقدر ما ظلت تتخبط في مأزق التبعية للعالم الرأسمالي،و انتظار معوناته الاقتصادية و الفكرية و التكنولوجية،فكانت النتيجة أن فشلت معظم مشاريع التنمية المستوردة من الغرب.(10)
• مرحلة الفكر الاشتراكي: إن النموذج الماركسي جاء كرد فعل على التوجه الرأسمالي الغربي، فسعى حثيثا إلى استبدال أغلب مبادئ الرأسمالية و مقولاته،برؤى مثالية جديدة،و قد انطبق ذلك أيضا على مفهوم التنمية،إذ يذهب الاشتراكيون التقليديون إلى أن التغيير الواقعي لا يتم إلا بالتنمية الاجتماعية الموجهة،اعتبارا بأن التغيير في الفكر الماركسي لا يتأتى إلا عن طريق الثورة،و الانقلاب الجذري على المنظومة الاجتماعية القديمة،و تعويضه بتركيبة مجتمعية جديدة، تتأسس على الجماعة و ليس على الفرد،كما في النظام الرأسمالي.
• التوجه الجديد: الذي أصبح فيه الإنسان أكثر وعيا بأهمية المجتمع المدني في تنمية الواقع الذي ينتظم فيه،و قد أدت منظمة الأمم المتحدة دورا مفصليا في نشر هذا النوع من الفكر،من خلال مختلف التقارير و المنشورات و المواثيق التي تصدرها،و يتحدد مفهوم التنمية لديها في أنها "ليست بالعبء،و إنما هي فرصة فريدة - فهي تتيح،من الناحية الاقتصادية،إقامة الأسواق و فتح أبواب العمل؛و من الناحية الاجتماعية،دمج المهمشين في تيار المجتمع؛و من الناحية السياسية، منح كل إنسان،رجلاً كان أم امرأة،صوتاً و قدرة على الاختيار لتحدّي مسار مستقبله".(11)
و ما يسترعي الانتباه أن أغلب المنظرين العرب و المسلمين لمفهوم التنمية،يقتصرون في ذلك على التفسيرات الغربية،كما أنها هي وحدها الموجودة،و أن الإنسان لم يتمتع بوعي تنموي إلا في ظل الحضارة الغربية الحديثة،في حين أن الدراسات التاريخية تشير،بشكل أو بآخر،إلى أن مفهوم التنمية قديم قدم الإنسان،و أن أية مجموعة بشرية إلا و شهدت نوعا من التنمية المادية أو الموضوعية.
و تجدر الإشارة في هذا الباب،إلى أن التاريخ الإسلامي لم يخل من البعد التنموي،في مختلف مستوياته، الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و العلمية و العسكرية،و غير ذلك،بل و أن المتفحص لتعاليم الدين الإسلامي،يدرك مدى حضور الهاجس التنموي في العديد من النصوص القرآنية و الحديثية،هذا ناهيك عن اجتهادات العلماء،و تأملات الفلاسفة،و توجيهات المربين،و إنجازات الحكام.
و قد تناول د. إبراهيم العسل هذا الموضوع في كتابه (التنمية في الإسلام)،يقول: "يقوم التصور الإسلامي للتنمية على أساس أن الله سبحانه و تعالى قد خلق الكون و استخلف الإنسان في الأرض ليقوم بعمارتها،وفق منهج الله و شريعته،و قد خلق الله سبحانه و تعالى الإنسان متميزا عن سائر المخلوقات ليكون قادرا على أداء هذه المهمة،و هيأ له بفضله و كرمه كل ما يمكنه من أدائها، و أنه على ضوء قيام الإنسان بهذه المهمة يتقرر مصيره و يتحدد مستقبله في الدنيا و الآخرة".(12)
و قد توقف الباحث عند مجموعة من النصوص القرآنية و الأحاديث النبوية،التي تتضمن إشارات بليغة حول مفهوم التنمية،مثل هذه الآية الكريمة التي تنبه على عدم التبذير،(و آت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل و لا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا)،(13) فمضمونها الداعي إلى عدم الإفراط و الإسراف،لا يختلف كثيرا كما هو وارد في مواثيق الأمم المتحدة،و قوانين العديد من الدول،التي تحث على ترشيد النفقات و توجيهها،و عدم تبذير الموارد البيئية و الطبيعية خاصة.
ثم إن خاصية التنمية في الإسلام "ليست عملية إنتاج فحسب،و إنما هي عملية كفاية في الإنتاج مصحوبة بعدالة في التوزيع،و أنها ليست عملية مادية فقط،و إنما هي عملية إنسانية تهدف إلى تنمية الفرد و تقدمه في المجالين المادي و الروحي".(14)
.........................
أشكال و تجليات الإعلام المحلي.
غالبا ما يختزل الناس الإعلام في جملة من الوسائل التواصلية،سواء التقليدية كالجرائد و المجلات و الملصقات و الإذاعات و التلفاز و غيرها،أم الحديثة كالفضائيات و الإنترنت و الهواتف و الفاكسات،و ما إلى ذلك.
هكذا فإن فهم الناس ينصرف دوما إلى وسائل الإعلام المستوردة من خارج الواقع الذي يعيشون فيه،كأن الإعلام ما هو إلا منتوج أجنبي وافد عليهم،و هم يلغون بذلك،بلا وعي منهم،العديد من الأشكال الإعلامية التي ينتجونها و يتداولونها،إما؛
• لأنهم لا يستوعبون المفهوم الحقيقي لمصطلح الإعلام،و وسائل الاتصال.
• أو لأنهم يرون في بعض الأشكال الإعلامية السائدة في واقعهم،أدوات لا ترقى لأن تشكل وسائل إعلامية مرضية و مقبولة.
• أو لأنهم ينبهرون بالوسائل الإعلامية الأجنبية،مما يدفعهم إلى تبنيها،و استبدال وسائلهم التقليدية بها.
من هذا المنطلق،ينبغي تصحيح هذه الرؤية المغلوطة،و الإقبال على الأشكال الإعلامية المتنوعة التي ينطوي عليها واقعنا،و تتضمنها ثقافتنا المغربية و الأمازيغية،لأن الإعلام الحقيقي و الجاد لا يكون كذلك إلا إذا كان نابعا من البيئة التي يوجد فيها،أما إذا تم استيراده من الخارج،و قمنا بإسقاطه على مجالنا التداولي،فإن ذلك سوف ينتج عنه لا محالة إعلام مفصول عن الواقع،لا يعبر عن هموم الناس و انشغالاتهم.
و بالنظر إلى واقعنا المحلي،يمكن تحديد أهم مكوناته الإعلامية من خلال الأشكال التواصلية الآتية:
• أبراح/المنادي: و عادة ما يستعمل صوته أو آلة معينة لإيصال صوته،كالبوق مثلا،و تتعدد مظاهره حسب الرسائل الإخبارية و الفكرية التي يسعى إلى إيصالها،كأن تكون رسالة تجارية،كما هو حال البائعين في الأسواق،أو رسالة ترفيهية،كما هو الشأن بالنسبة إلى (الحلايقيين) في الأسواق،أو رسالة دينية،و خير تعبير على ذلك هو صوت المؤذن الذي يدعو الناس إلى إقامة شعيرة الصلاة،أو رسالة ثقافية و أدبية،كما هو الحال بالنسبة إلى الشاعر الأمازيغي (أمذياز)،الذي يتنقل عبر المداشر و القبائل ليلقي أشعاره على الناس،و غير ذلك من الرسائل.
• الملصقات: و هي تتضمن مختلف الإعلانات الإخبارية،التي تعلم بنشاط أو تظاهرة معينة،و عادة ما تستعمل هذه الآلية في واقعنا،من قبل المؤسسات التعليمية و الجمعيات الثقافية و الرياضية. بالإضافة إلى إشارات المرور،و لوحات المحلات التجارية و مختلف المؤسسات،التي تكون ملونة،أو مضاءة،أو متحركة.
• المنشورات و الأدلة: و هي شكل تواصلي مفضل لدى المؤسسات البنكية و وكالات الأسفار و التأمين و الاتصال،أصبحت في متناول كل مواطن،فهي معروضة في أغلب هذه المؤسسات.
• المنابر الورقية: كالجرائد و المجلات و الكتب،و هي على المستوى المحلي شحيحة نوعا ما،غير أنه بدأ يظهر البعض منها في الآونة الأخيرة.
• المنابر الرقمية: من مواقع إلكترونية إخبارية و مدونات و منتديات،و غيرها كثير،و قد أدى هذا الشكل دورا كبيرا في تفعيل الإعلام المحلي،و الكشف عن كثير من القضايا التي كانت مطوية، و التعريف بالواقع المحلي بدون حواجز مادية أو رقابية.
• الإعلام المدرسي: و يتمثل في مختلف الأنشطة التربوية التي تقوم بها المؤسسات التعليمية المحلية، كالمسابقات و الأمسيات الثقافية و المسرحيات و الاجتماعات،و غير ذلك.
• الإعلام الشعبوي: و يتجلى من خلال مختلف السلوكات التواصلية اليومية،كالمحادثات العادية، و محادثات الغيبة و النميمة،و التجمعات الشعبية،و التظاهرات الرياضية،و الاحتفالات،و الجنائز، و الأعراس،و الشعائر الدينية،و غير ذلك.
بناءً على هذه الأشكال التواصلية التي يزخر بها الواقع،تتعين أهم مصادر الإعلام المحلي،التي يمكن للصحافيين و الإعلاميين المحليين الاعتماد عليها،فيما يأتي:
• الجمعيات بمختلف أنواعها (ثقافية،رياضية،تنموية،فلاحية...).
• المؤسسات التعليمية العمومية و الخصوصية.
• المساجد و دور العبادة.
• مؤسسات الدولة (الجماعات،القيادات،الدوائر،المندوبيات،الدرك،الأمن،المراكز الصحية...).
• الوكالات التجارية و الخدماتية و المالية (أبناك،أسفار،بريد،اتصالات،وكالات عمومية، تأمينات...).
• دور الشباب و الثقافة (ملاعب،نوادي،مقاهي الإنترنت،مكتبات...).
• المواقع الرقمية و المنتديات و المدونات.
• المقاهي العامة و الأسواق و الحمامات...
........
كيف يساهم الإعلام التنموي في تنمية الواقع؟
يعتبر الإعلام التنموي أرقى مستوى بلغه الإعلام في تطوره التاريخي،الذي مر فيه بمراحل متعددة، و تسلق مستويات مختلفة،تتنوع بتنوع سواء الحقول المعرفية التي يشتغل عليها الإعلام،أم التوجهات الفكرية و الأيديولوجية التي تهيمن على الممارسة الإعلامية،و تجدر الإشارة إلى أن تلك المستويات تتحدد حسب الأبعاد التي يتخذها الإعلام،كالأيديولوجي،و الوصفي،و الاجتماعي،و الديني،و التربوي، و الاقتصادي،و هلم جرا.
و لا يعني هذا أن هذه المستويات كلها ما عادت تجدي،و إنما تحضر بشكل لافت في المعادلة الإعلامية المعاصرة،غير أنها طورت أكثر من قدراتها و منهجياتها و مقاصدها،لتواكب البعد التنموي للإعلام، فتنخرط كلها في عملية التنمية التي يشهدها الواقع.
و يعود الفضل تاريخيا في نشأة هذا النوع من الإعلام،إلى الباحث ويليبر شرام الذي ألف كتابا في وسائل الإعلام و التنمية،و هو يرى أن الإعلام التنموي فرع أساسي و مهم من فروع النشاط الإعلامي،"و هو قادر على إحداث التحول الاجتماعي و التغيير و التطوير و التحديث،يتم فيه وضع النشاطات المختلفة لوسائل الإعلام في سبيل خدمة قضايا المجتمع و أهدافه العامة أو بمعنى آخر هو العملية التي يمكن من خلالها توجيه أجهزة الإعلام و وسائل الاتصال الجماهيري داخل المجتمع بما يتفق مع أهداف الحركة التنموية و مصلحة المجتمع العليا".(15)
كما أنه أومأ في هذا الكتاب الطلائعي،إلى أهم الأدوار التي تؤديها وسائل الإعلام،كأن "توسع من آفاق الناس،و يمكنها أن تلعب دور الرقيب،و يمكنها أن تشد الانتباه إلى قضايا محددة،و كذلك يمكن أن ترفع طموحات الناس،و يمكنها أن تصنع مناخا ملائما للتنمية،و لا يخفى في النهاية،ما لوسائل الإعلام من مهمات تعليمية و دور في صناعة القرارات".(16)
هكذا تتضح أهمية الإعلام التنموي في حياة الإنسان المعاصر،و تتحدد أهم ملامح هذا الإعلام،و هي ملامح أساسية فيه بإجماع العديد من الأكاديميين و الباحثين و المتخصصين في علوم الإعلام،كالآتي:
• الإعلام التنموي تجاوز الأساليب التقليدية المتمثلة في نقل المعلومة فقط،إلى المشاركة الفعالة في كافة خطط التنمية،و تتبع سيرها من خلال مختلف الأنشطة و الأشكال الإعلامية.
• يظهر دور الإعلام التنموي بجلاء أثناء تعرض الواقع إلى أزمات و حالات طوارئ مفاجئة،من خلال اعتماد الإعلام على استفزاز الواقع اليومي و خلق جو من الألفة و التفاعل مع الضحايا و المتضررين.
• يساهم الإعلام التنموي في تلقين الناس المهارات و الأساليب اللازمة التي تقتضيها عملية التحديث و التطور،لاسيما الجرأة و انتقاد المسئولين و عدم الخوف منهم.
• يشارك الإعلام التنموي في تنمية المجتمع المباشرة من خلال شتى الأنشطة و الإسهامات،كمحو الأمية الهجائية،و تنظيم الدورات التكوينية،و التثقيف النسائي،و التربية،و غير ذلك.
• كلما كان الإعلام التنموي متطورا في أدائه و وسائله،كلما أثر ذلك أكثر في الواقع، فالدراسات تجمع على أن ثمة ارتباطا وثيقا بين النمو الاقتصادي و نمو وسائل الإعلام.
• و فيما يتعلق بتوظيف وسائل الإعلام في التنمية المحلية ينبغي؛
1. أن ترتبط تلك الوسائل بالبيئة المحلية و ثقافة المنطقة.
2. التنسيق الشمولي مع مختلف المؤسسات،سواء أكانت رسمية،أم مدنية.
3. أن يكون المشرفون على تلك الوسائل الإعلامية في الغالب الأعم من أبناء المنطقة،يستوعبون مشاكل الناس و حاجياتهم.
بناء على ما سبق ذكره،و ارتباطا بواقعنا المحلي،نخلص إلى المحصلات الآتية:
• أولا: التنمية هي مسؤولية الجميع،سلطات و مواطنين،مؤسسات الدولة و مؤسسات المجتمع المدني، لذلك ينبغي تغيير تلك النظرة التقليدية التي كانت تربط كل شيء بالدولة.
• ثانيا: آن الأوان لتجاوز مرحلة الإعلام التنميطي الوصفي،المبني على المعارضة من أجل المعارضة،كما كان سائدا في الماضي،إذ ظل الإعلام مرهونا بما هو سياسي و أيديولوجي و حزبي، متأثرا به،و الآن أصبح الإعلام هو الذي يؤثر فيما هو سياسي،فهو ليس السلطة الرابعة كما كان سائدا في الأدبيات التقليدية،و إنما السلطة الأولى!
• ثالثا: الانتقال من مرحلة الدعاية و التعبئة و الخطابات الأيديولوجية،إلى مرحلة الإنتاجية، من خلال جمعيات المجتمع المدني التنموية،و يؤدي الإعلام دورا محوريا في هذه التنمية،باعتباره ليس محفزا فحسب،و إنما محفز و موجه و طرف أساس في صناعة هذه التنمية.
هكذا ينبغي أن تشكل هذه العناصر الثلاثة موجهات أساسية لإعلامنا التنموي المحلي،حتى ينخرط في تطوير واقعنا المتردي،و يسهم بقسط وافر في التنمية المحلية،التي تسعى حثيثا إلى تحقيقها كل مكونات المجتمع و أطيافه.

........................
توجيهات أساسية للكفاءات الإعلامية المحلية.
أود أن أضع في هذا المبحث بعض التوجيهات الأساسية،التي ينبغي لكل إعلامي أو صحافي محلي أن يستحضرها في ممارسته الإعلامية اليومية،سواء في الفضاءات العامة،كالشوارع و الملاعب و المقاهي، أم في المؤسسات الرسمية،أم في جمعيات المجتمع المدني،أم في غيرها من المؤسسات العمومية و الخصوصية، أم عبر مختلف وسائل الإعلام الورقية و الرقمية.
..........................
النزول إلى الواقع و توعية العامة.
و المقصود بذلك الشعور و الاكتواء بهموم الناس،قبل الكتابة عنها،إذ لا يقتصر الإعلام على وصف تلك الهموم فحسب،و إنما يبحث في أسبابها و عواملها الخفية،لا ليواسي الناس و يرثي حالهم،بل ليكون طرفا مهما في حل مشاكلهم،و الإجابة عن أسئلتهم الإشكالية و المستغلقة،ففي الغرب على سبيل المثال،توجد مكاتب و مؤسسات تتخصص في هذا المجال،و تقدم لها الميزانيات الهائلة للبحث في مشاكل الناس و معالجتها،و تقديم التوعية الكافية حول كيفية تجنبها،أو كيفية التعامل معها.
نموذج ظاهرة الطلاق : يقوم الإعلام المحلي (الصحافة المكتوبة،الصحافة الرقمية،الإعلام المدرسي، الجمعيات...) بتناول ظاهرة الطلاق داخل المجتمع،بالاستناد إلى الحالات المطروحة على المحكمة، و الإحصاءات المتوفرة لدى المصالح القضائية المختصة،إضافة إلى تصريحات الأطراف المعنية (أصحاب الدعاوى،الضحايا،القضاة،المحامون...)، ثم بعد ذلك يقوم الإعلام بدراسة موضوعية لهذه الظاهرة، و التنقيب عن أسبابها الخفية و المعلنة،و عواقبها على الأطفال و على المجتمع،ثم يطرح مجموعة من الحلول الممكنة،و يدعو إلى ثقافة الإصلاح،و توعية الرأي العام بذلك،بإشراك بعض الجمعيات و المصالح النسوية التي تمت بصلة ما إلى هذا الإشكال،على أن تكون طرفا مباشرا و أساسا في هذا الإصلاح،دون إغفال دور الأئمة في هذا المجال،بحيث يلتمس منهم هذا الإعلام التنموي التكثيف من خطبهم و مواعظهم في هذا الصدد.
و ينطبق هذا كذلك على العديد من المعضلات الاجتماعية،كالعنف المنزلي،و استغلال الأطفال،و الهدر المدرسي،و التسول،و تعاطي المخدرات،و غير ذلك.
...................................
البحث عن أسباب الخلل في الواقع.
كما هو معلوم لا يخلو أي مجتمع من نقص ما أو خلل في تركيبته البنيوية،أو التسييرية،أو غيرهما، لذلك فوظيفة الإعلام التنموي هي البحث الحثيث عن مكامن الخلل الذي يعتريه،سواء في بعده البيئي،أم التعليمي،أم الاجتماعي،أم الثقافي،أم التنظيمي،و ما إلى ذلك،فلا يكتفي الإعلام بوصف المشكلة،و إنما مدعو إلى التنقيب في العوامل المؤدية إليها،ثم تقديم الحلول الناجعة و الممكنة لها.
نموذج عدم اشتغال المصابيح الكهربائية في شارع معين: ففي هذه الحالة لا يكون دور الإعلام هو توصيف هذا العطب،و الكتابة عنه بأسلوب الفضح،كما كان سائدا في صحافة المعارضة التقليدية، التي ربتنا على المعارضة من أجل المعارضة،و إنما يقتضي المقام من الصحافي و الإعلامي أن يحيط وصفا بهذه الحالة،و بشكل دقيق و موضوعي،بالكلمة و الصورة،ثم يتوجه إلى الجهات المسئولة و المعنية (مجلس بلدي،سلطات،شركة كهرباء،مواطنون...)،و يسألها حول هذا المشكل بأسلوب موضوعي مبني على الحوار البناء،ليكون طرفا مهما في تسوية ذلك الخلل،فهو بذلك الأسلوب يحث الجهات المسئولة على خدمة المجتمع،أما أنه إذا ما سارع إلى نشر ذلك الخبر دون التحقق منه و مساءلة الجهات المعنية،فإنه لا يخدم المجتمع في شيء،بقدر ما يعرقل مشروع التنمية،بزرع الصراع بين الإعلام و الدولة،بين المثقفين و المسئولين،بين المواطنين و السلطات،كما أن أي مغالطة أو مزايدة تعتري ذلك الخبر،قد تجعل المسئولين يضيقون الخناق على الإعلاميين،بل و يعتقلونهم باسم القانون!
ثم إن الإعلامي عندما يتوجه إلى الجهات المعنية،عليه أن لا يتعامل معها بأسلوب انفعالي و احتجاجي،و إنما بأسلوب لبق و تعاوني،إذا ما أراد أن يقدم إعلاما تنمويا،يشارك من خلاله في تنمية واقعه و تطويره.
........................
الحضور المستمر للإعلام.
و يتم هذا الحضور في مختلف الأنشطة المقررة التي تقوم بها مصالح السلطة المحلية و هيئات المجتمع المدني،بل و على الإعلام أن يكون طرفا مهما في تلك الأنشطة،ليس لتغطية الحدث فحسب،و إنما لمساءلة الجهات المعنية،و تقديم الملاحظات الجادة،على هذا الأساس على منظمي تلك الأنشطة أن يخبروا وسائل الإعلام المحلية بذلك،في مقابل ذلك،يتوجب على الإعلاميين المحليين الانفتاح على مكونات الدولة و هيئات المجتمع المدني،بأسلوب جاد،يرتكز على التعاون و التفاعل و الإصغاء و النقد البناء.
نموذج الاجتماع الدوري للمجلس البلدي: إذ يتحتم على المجلس البلدي أن يخبر بذلك الحدث وسائل الإعلام المحلية،دون تمييز أو استثناء،بل و يستدعيها لحضور الاجتماع،كما على وسائل الإعلام أن لا تؤدي دور الند و الفاضح،و لا تمارس النقد المعارض و الهدام،و إنما أن تصغي بتمعن،و تطرح الأسئلة العميقة و الجادة،و تغطي الحدث بشكل موضوعي و دقيق و بعيد عن المغالطات و المزايدات و الانفعالات.فرب سؤال وجيه يطرحه إعلامي ناشئ على أعضاء المجلس البلدي،قد يكون سبب لمشروع متميز و ناجح،خير من ألف مقترح أو خطة عمل يطرحها المجتمعون كلهم!
.................
أهمية الإعلام التربوي.
يعد الإعلام المدرسي و التربوي مكونا رئيسا في الإعلام التنموي،و هو لا يعني فقط المجلات الورقية و الحائطية التي تصدرها المؤسسة التعليمية،و لا المواقع الرقمية الخاصة بالأطفال،و لا الرسائل الإخبارية الموجهة إلى الآباء و الأمهات،و إنما هو أكبر من ذلك كله،إنه التوعية المتدرجة للطفل بقيمة الإعلام في حياته،فالوعي هو أس التربية،أما المعارف و المعلومات فيلتقطها الطفل و يستوعبها بالتكرار و الحفظ،أما الخبرات و استخدام الأدوات فيكتسبها بالممارسة و التمرن. و يساهم الإعلام (إلى جانب المعلم،البيت،المحيط...)،بقسط وافر في زرع ذلك الوعي و تشكيله،و تظل الشاشة،في يوم الناس هذا،أهم وسيلة ينجذب إليها الطفل؛تقدم له الصورة و الحركة و الكلمة و الأغنية و اللعبة و التسلية...غير أنها تحرمه من أهم شيء،و هو الحنان و الدفء الأسروي،الذي كانت تقدمه الوسيلة الإعلامية التقليدية له،و التي هي الجدة،التي كانت بمثابة الشاشة؛تحضن أحفادها بدفء،و تشرع في تلقينهم تجارب الحياة و معارفها،لكنه باجتياح الشاشة لواقعنا المحلي، تم إقصاء الجدة و عزلها،و أصبح أطفالنا مدمنين على الصورة و الشاشة،التي زرعت فيهم سلوكات غير سوية،كالانعزال،و العنف،و الأنانية،و عدم التركيز،و غير ذلك.
و هذا لا يعني أن هذا المعطى الإعلامي/الشاشة ذو تأثير سلبي على الطفل،فوجوده اليوم صار أمرا لازما،لا يمكن الاستغناء عنه،لوظائفه المتعددة،كالتعليم و الإخبار و الترفيه،و ما إلى ذلك،إلا أن إفراط الطفل في الإقبال عليه،قد تترتب عنه نتائج عكسية،لذلك ينبغي أن تكون علاقة الطفل بالشاشة موجهة و مراقبة.
"و على الرغم من دور التلفزيون في النمو الاجتماعي و الثقافي للطفل،فإنه قد يؤدي إلى نتيجة عكسية و ينمي لدى الطفل شخصية ضعيفة منفصلة عن مجتمعها إذا ما ركز على عرض قيم و ثقافات أخرى تؤثر على ذاتية الطفل الاجتماعية و الثقافية".(17)
على هذا الأساس،يتحتم على المدرسة أن تؤدي دورا رياديا في توعية الطفل بقيمة الإعلام،ليس نظريا فحسب،و إنما ميدانيا كذلك،عبر إشراكه في مختلف الممارسات الإعلامية،عن طريق تنظيم ورشات إعلامية،تتضمن مجلات و جرائد ورقية و رقمية،مسرحيات،إذاعة الطفل،رسم كاريكاتوري،معرض الصور الفوتوغرافية،إعلاميات،و نحو ذلك.
......................
رقمنة الإعلام المحلي.
و يقصد بهذه الرقمنة تأهيل الأشكال الإعلامية المحلية لتواكب التحولات الجديدة،التي أحدثتها الثورة الرقمية في وسائل نقل المعلومة و التواصل و الإعلان و تبادل الخبرات و الانفتاح على التجارب الوطنية و الدولية،و يتوجب على مختلف المؤسسات العمومية و الخصوصية،من مصالح الدولة،و مكونات المجتمع المدني،و مؤسسات التعليم،و أبناك،و شركات...أن تخوض هذه التجربة، التي أصبحت من مستلزمات المرحلة الراهنة.لاسيما و أن ذلك أصبح لا يتطلب إمكانات مادية هائلة،إذ أنه يمكن أن تكتفي في البداية بتجربة المدونات و المنتديات المجانية،فتعرف بمكونات المجتمع المحلي،على مختلف مستوياته.
إن حضور واقعنا المحلي على صعيد الشبكة العنكبوتية يظل محتشما و خجولا،و لا يمثل بتاتا القيمة البشرية و العمرانية و المؤسسية و الثقافية للمنطقة،التي يقطنها عشرات الآلاف من الناس، و تتضمن مختلف المؤسسات الحكومية و التعليمية و الجمعوية و البنكية و الدينية و الرياضية و الخدماتية،و غير ذلك،و مقبلة على تحديات هائلة،و لا تملك إلا بضعة مواقع إلكترونية هزيلة معدودة على أصابع اليد الواحدة!
إن التركيز على المكون الرقمي في تنمية الواقع،أصبح أمرا لازما ينبغي للجميع،سلطة و منتخبين و مجتمعا مدنيا و مواطنين،التفكير فيه بجدية و استراتيجية و بعد نظر،لأن الإنترنت أصبح الوسيلة الأهم للتواصل السريع و البليغ،خصوصا و أنه اكتسح أغلب البيوت،فأصبح في متناول المرأة و الطفل و المثقف...و الجميع.
لذلك كله،أكرر الدعوة إلى استثمار هذا المكون،و الشروع في الرقمنة التدريجية لمختلف مؤسسات المجتمع،لأنه من خلال هذه الوسيلة تتحقق العديد من المكاسب،كالتواصل،و التثقيف،و التعريف، و تبادل الخبرات،و هكذا دواليك.
..................
دعم الإعلام المحلي.
بناء على ما سلف،إن مطلب الرقمنة يتأتى،إما بشكل فوري عن طريق استثمار بعض الإمكانات الرقمية المجانية المتاحة،و هذا حل آني و مؤقت،و إما بشكل منهجي و مخطط،و يقتضي المزيد من الجهد و التضحية،لذلك فالحاجة إلى دعمه خصوصا المادي واردة،حتى يتحقق النهوض بالإعلام المحلي، و نقدم أنموذجا متميزا على صعيد المنطقة التي ننتمي إليها.
ثم إن أغلب الإعلاميين و الصحافيين الشباب المحليين،الذي يتجشمون هذا العبء الثقيل،لا يعملون، أو أنهم يمارسون مهنا بعيدة كل البعد عن ميدان الإعلام،أو أن دخلهم لا يسمح لهم بالإسهام المادي في تأهيل الإعلام المحلي و تطويره،فهم في مسيس الحاجة إلى مختلف الأدوات التي تساعدهم على أداء خدمتهم الإعلامية التطوعية،كالكتب و الجرائد و الكاميرات و البطاريات و تعويضات النقل، و غيرها،و لم لا في المستقبل تعويضات على الخدمات الإعلامية التي يقدمونها.
و لا يتحقق هذا الدعم إلا بواسطة تضافر جهود مختلف المكونات التي يتشكل منها واقعنا المحلي، مثل:
• مساهمة الجماعات الحضرية و القروية: و ذلك عندما تتحقق لها الموارد المادية الكافية،أو أنها توجه بعض الموارد المخصصة للمجتمع المدني في هذا المضمار،و تفرض على المستفيدين منها رقمنة أنشطتهم و إسهاماتهم،إذ ينبغي لكل جهة تتلقى الدعم أن تفتح واجهة إلكترونية خاصة بها،و تخدم من خلالها الواقع المحلي.
• مساهمة المؤسسات البنكية و الوكالات الخدماتية: إذ تساهم هذه الجهة في تمويل وسائل الإعلام المحلية،و تقديم يد العون إلى الصحافيين و الإعلاميين،في شكل تعويضات مادية مقابل خدمة الإشهار مثلا.
• مساهمة المحسنين: إذ يلاحظ أن هذه الفئة غالبا ما تساهم فيما هو ديني محض فحسب،فقد آن الأوان لتغيير هذه العقلية،و توزيع مساعداتهم المادية بشكل شمولي،يشمل ما هو ثقافي و اجتماعي و إعلامي،فالمجتمع لا يصلح فقط بالخطب و الوعظ،و إنما بالخدمات التي يقدمها المجتمع المدني عامة كذلك،كالتوعية،و التعليم،و الحملات البيئية و الصحية،و غير ذلك.
* باحث مغربي مقيم بهولندا.
شبكة النبأ المعلوماتية.

.............................
الهوامش :
1 لقد تناول العديد من الدارسين قضية الإعلام،فحاولوا تحديد مفهوم مصطلح الإعلام،و إليكم بعض التعريفات التي تسنى لنا الاطلاع عليها: يقول د. جمال العطيفي أن الإعلام هو "إحاطة الرأي العام علما بما يجري من أمور و حوادث سواء في الشؤون الداخلية،أم في الخارجية"،يرى د. إبراهيم إمام أن الإعلام هو "نشر الأخبار و المعلومات و الآراء على الجماهير"،و يرى د. د.يوسف قاسم أن الإعلام هو "تزويد الناس بالأخبار الصادقة و المعلومات الصحيحة و الحقائق الثابتة التي تساعد الناس على تكوين رأي صائب في واقعة معينة"،ينظر كتاب: مسئولية الإعلام الإسلامي في ظل النظام العالمي الجديد،د.رشدي شحاتة أبو زيد،دار الفكر العربي – القاهرة، ط 1/1419هـ - 1999م، ص 22
2 المتلاعبون بالعقول،هربرت أ. شيللر،ترجمة عبد السلام رضوان،الإصدار الثاني،عالم المعرفة، 243/ذو القعدة 1419 – مارس 1999،المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآدب – الكويت، ص 7
3 السيطرة على الإعلام،نعوم تشومسكي،ترجمة أميمة عبد اللطيف،اتصالات سبو،ط1/2005،ص 15
4 الحرب الحضارية الأولى،المهدي المنجرة،المركز الثقافي العربي،ط8/2005، ص 388
5 المصدر نفسه،ص 389
6 معجم المصطلحات الحديثة،د.سمير سعيد حجازي، دار الكتب العلمية بيروت،ط1/2005، ص 263
7 التنمية في عالم متغير،د.إبراهيم العيسوي،ص 13
8 المصدر نفسه، ص 14
9 المصدر نفسه، ص 17
10 دراسات في الإعلام و التنمية العربية،صلاح أبو أصبع،دبي،مؤسسة البيان 1989، ص 168
11 من كلمة لكوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة،المصدر: موقع التنمية المستدامة الرقمي:
http://www.un.org/arabic/esa/desa/aboutus/dsd.html
12 التنمية في الإسلام مفاهيم مناهج و تطبيقات،د.إبراهيم العسل،المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع،بيروت – لبنان،ط1/1416 – 1996، ص 63
13 الإسراء،الآية 17
14 التنمية في الإسلام مفاهيم مناهج و تطبيقات، ص 64
15 ينظر مقال: الإعلام التنموي للأستاذ إسلام عبد العزيز، http://forum.selze.net
16 دراسات في الإعلام و التنمية العربية،ص 408
17 الطفل و الإعلام،د.عبد اللطيف كدائي،سلسلة المعرفة للجميع،منشورات رمسيس –الرباط، ع 33، يوليوز 2006،ص 51





عدل سابقا من قبل In The Zone في الجمعة أكتوبر 12, 2012 12:56 pm عدل 1 مرات


_________________
The key to immortality is first living a life worth remembering

Bruce Lee
avatar
In The Zone
Admin
Admin


عدد المساهمات : 4732
تاريخ التسجيل : 21/11/2010
الموقع : الأردن

حصري الإعلام العربي في قفص الاتهام؟

مُساهمة من طرف In The Zone في الجمعة أكتوبر 12, 2012 12:22 pm

الإعلام العربي في قفص الاتهام؟
عرفان نظام الدين.

.........
فبعد ثورة الاتصالات و فورة البث عبر الأقمار الاصطناعية و تزايد موجات التلفزيونات الفضائية العربية كان من المنتظر أن يشهد الإعلام العربي ثورة مقابلة في الدور و المسؤولية و الخدمات و المستوى و الانتاج الراقي و لكن النجاح اقتصر على مجالات التكنولوجيا و الاسلوب و الابهار و التقديم و البث المباشر و تغطية الأحداث لحظة وقوعها،و لم يرق إلى مستوى المتغيرات و التطورات و مضاهاة الإعلام الأجنبي،بل حصلت انتكاسات في مجالات عدة و تراجع في مجالات أخرى،و شوه بعض الممارسات الوجه الجديد للإعلام و الإعلاميين.
و هنا برز خلاف حول دور الإعلام و مسؤولياته و طرحت تساؤلات،و دار جدل بين اتجاهين:
الأول يطالب الإعلام العربي بلعب دور ايجابي في مجالات الحياة كافة و المشاركة في التوجيه و التربية و بناء ركائز المجتمع و الدفاع عن قضاياه،و الثاني يرفض دور الواعظ و الموجه و المنحاز و يطالب بحصره في تقديم الخدمة الإعلامية الجيدة و الراقية و نقل الحدث كما هو بلا زيادة و لا نقصان و ترك الحرية للمتلقي ليعلم و يفهم و يقرر باعتبار أنه قد بلغ سن الرشد.
........
و بغض النظر عن صوابية رأي أي من هذين الاتجاهين،فإن الواقع يدلنا على معالم أخرى بسبب تناقضات المنطقة و تشابك القضايا و تداخل المعايير الدينية و القومية و الوطنية،تضاف إليها الأزمات الجديدة التي طرأت خلال فترة انطلاق الفضائيات مثل الإرهاب و التطرف و التدخلات الأجنبية و مخاوف التقسيم و التفتيت و الفتن الطائفية و الدينية و المذهبية.
و من هنا نطرح السؤال الكبير و هو:
هل الإعلام مجرد وسيلة للترفيه أم وسيلة لنقل الخبر و المعلومة و الرأي فقط،أم أن دوره يتعدى ذلك إلى القيام بعملية التوجيه و المشاركة في التنمية و البناء و القيام بمبادرات في سبيل قضايا المجتمع و الأوطان و القضايا العربية؟
خصوصاً أن الإعلام العربي الدولي انتشر في أواخر السبعينات و أوائل الثمانينات،و نجح في الربط بين الجاليات العربية في ديار الاغتراب و أوطانها.
هذا السؤال الكبير كان مدار بحث لسنوات طويلة،فمنهم من يريد أن يحصر الإعلام فقط في الدور الإعلامي المهني الصرف،فيما يرى بعض المتنورين أن مسؤولية الإعلام تتعدى هذا النطاق لتشمل كل ما يفيد المجتمع و الأوطان و القضايا العربية.
و للإجابة على السؤال لا بد من الاعتراف بوجود قصور و تقصير في الأداء الإعلامي بشكله القديم و بحلته الجديدة.
فعلى الصعيد الخارجي كان التقصير فادحاً و ليس في الأفق بادرة أمل صغيرة إلا في الانترنت أما على الصعيد الداخلي فقد وصل القصور إلى حد المشاركة في ألاعيب السياسة و التحول إلى فصيل في ميليشيا السياسيين و أمراء الحروب.
........
و من يتابع الإعلام المحلي في العراق و لبنان و فلسطين يجد العجب العجاب و يشعر بالقرف و الاشمئزاز من هذا الدرك الذي وصل إليه بعض هذا الإعلام في الانحياز و اللاموضوعية و تغييب الحقائق و تشويهها و قلبها رأساً على عقب و صب الزيت على النار في إثارة الغرائز و الفتن الطائفية و المذهبية و الاجتماعية و استضافة مجموعات طفيلية موتورة و مريضة بشبق الظهور و المزايدات و الشتم و الردح،و دس السم في عسل نشرات الأخبار عن طريق مقدمات استفزازية تعمل على تهييج الجماهير و بناء أجيال حاقدة تتحول إلى صواعق تفجير جاهزة للانتقال من مرحلة الكلام و التلقي إلى مرحلة التحرك و الفعل.
و بكل أسف فإن الإعلام الفضائي العربي أسهم بدوره في لعب هذا الدور عندما فتح الهواء لكل من هب و دب ليشارك في تأجيج نار الخلافات و تسفيه الآخر تحت ستار الحرية الإعلامية التي يرتكب باسمها اليوم أبشع الجرائم.
فدور الإعلام في هذه المرحلة الخطيرة و مسؤوليته لا حدود لهما في العمل على بناء الجسور و سد الثغرات و فتح باب الحوار البناء بين أبناء الأمة حتى تتمكن من تجاوز محنتها و تتصدى للأعداء الطامعين بها.
و الكلمة هي سلاح خطير قد يهدم كل ما يتم بناؤه،و أكبر دليل على ذلك ما حدث في مناسبات عدة بين الدول العربية،ما تسبب في وقوع أزمات سياسية و ترك آثاراً سلبية على العلاقات الثنائية و الأجواء العامة،إضافة إلى تشويه صورة العرب و الإسلام و الإساءة الى شخصيات و رموز شريفة.

فهل نتعظ من التجارب،و نحاسب أنفسنا على كل كلمة نكتبها و نحرص على أن نحافظ على شرف مهنتنا...و نتحمل مسؤوليتنا كاملة؟
الانفتاح محبب و منطقي شرط أن لا يتجاوز الخطوط الحمر و حدود الدين و الأخلاق و الذوق العام. فقد كانت بدايات العرب في المجال الفضائي سليمة و صحية،و كان التوجه العام يقوم على تقديم المفيد و الشيق بشكل عصري و حضاري و فتح نوافذ الحرية بحكمة و تعقل و بلا تجاوز للمسلمات و الثوابت،كما شمل هذا التوجه العمل على تقديم انتاج راقٍ على مستوى عالمي من الابهار و الموضوعية و التركيز على الشباب و الأطفال باعتبارهم عماد المستقبل و أمل مجتمعاتهم و أمتهم.
و دارت الأيام فإذا بنا نقف وجهاً لوجه أمام ألف «حصان طروادة» من الاسفاف و الخفة و الرخص و البعد عن العادات و التقاليد و استخدام أساليب الإثارة في جذب المشاهدين و حشر الجنس في كل شاردة و واردة حتى في البرامج الجادة و الاعتماد على «التنانير» القصيرة و الصدور الرحبة!
و لم يقتصر الأمر على هبوط المستوى الفني و رداءة صوت المغنين فيما يطلق عليه اسم «الأغنيات الشبابية» أو «الهبابية»،بل إن الوقاحة في استخدام الكلمات تجاوزت حدود الأدب و تطاولت حتى على الدين.
و لهذا وجب علينا التحذير من مثل هذا الاستهتار و وضع حد لهذه المهازل التي لا تقتصر على الأغاني فحسب،بل في معظم ما يقدم من بعض الفضائحيات التي تعتمد على الاثارة و الجنس.
فالبرامج الحوارية تحولت إلى زعيق و صراخ و وأد للحريات و تسفيه للرأي الآخر و منبر لإثارة الفتن و تأجيج نار الخلافات و الترويج للتطبيع مع إسرائيل و اطلاق شعارات تحرك الغوغاء.
و اللغة العامية اصبحت سائدة في معظم المحطات في محاولة لنسف اللغة العربية بعد فشل محاولات عدة جرت في السابق،و هذا موضوع سأعود إليه قريباً،و حلّت «باي،و هاي،و تشاو» محل السلام عليكم و صباح الخير.
و التفاهة وصلت إلى المسابقات التي تحولت إلى أوراق يانصيب و أسئلة تافهة و خيارات أتفه مثل: «من غنى «السح اندح انبو»،هل هو: بيل كلينتون أم روكفلر أم أحمد عدوية؟ و أين يقيم مطرب البوب الأميركي الشهير،في كاليفورنيا أم كراتشي أم في التيبيت؟».
و من لا يصدق ليتابع،و من يعش يرَ؟! و من يعش رجباً يرَ عجباً!!
........
من أجل مجابهة هذا الانحراف لا بد من وقفة يشارك فيها الجميع لتصويب المسار و رسم خريطة طريق جديدة تدافع عن الحق و الحريات و دور الإعلام المقدس و إعادة الهيبة لما كان يسمى بـ «السلطة الرابعة» و تنقية العمل الإعلامي من الشوائب التي لحقت به.
فقد تغيرت أمور كثيرة من الناحية التقنية و التكنولوجية في الانترنت و غيرها ثم سرعة نقل الأخبار،و كل شيء أصبح متاحاً من الناحية التقنية و ظهور الفضائيات و تكاثرها و أصبحت المعلومة متاحة،فتعدد الآراء له فوائد كثيرة اذا لم تشبها شائبة اثارة الفتن التي تفسد للود قضية بل كل قضايانا.
و كنت طوال هذه الفترة أطرح على نفسي سؤالاً: «حصل تقدم تكنولوجي و حصلت ثورة في الإعلام العربي،و لكن هل تحققت الثورة نفسها أو الطفرة أو حتى التقدم في مجال العمل المهني البحت و الموضوعية و أين يكمن التقصير؟».
السؤال الأهم الذي يؤرقني: «هل دور الإعلام هو الترفيه الأجوف و الخلاعة و ما نشهده حالياً حيث الراقصة أو عارضة الأزياء أصبحت مذيعة و المذيعة أصبحت راقصة،و هل يجوز أن نمارس الدور الذي يسهم في اثارة الفتن؟».
من واجبنا أن نطرح سؤالاً أساسياً حول أشرف المهن و أكثرها جهداً و تعباً و خطراً هو: من هو الصحافي،و كيف نحمي المهنة من منتحلي الصفة،بعد أن أصبح كل من «هب و دب» ينتمي اليها و يدعي أنه صحافي أو كاتب ليسيء الى شرف المهنة،و يشوه صورتها المثالية و يحرف رسالتها،و بالتالي يسيء الى الصحافيين الأصليين؟
وضعت كل المهن الأخرى شروطاً للانتساب اليها و فرضت قيوداً لا يمكن تجاوزها بحكم القانون،بينما بقيت مهنة الصحافة بلا ضوابط،يدخلها كل من فشل في مهنته أو رسب في امتحان أو لم يتمكن من تحصيل شهادة أو العثور على وظيفة أخرى،و كأن الصحافة العربية أصبحت وكالة بلا بواب.
هذه القضية يجب أن يُنظر اليها جدياً و يشارك جميع الصحافيين الشرفاء و النقابات في ايجاد العلاج و وقف هذا الانهيار و حماية المهنة من الدخلاء و منتحلي الصفة حتى تصبح عن حق سلطة رابعة تحظى باحترام القارئ و المسؤول و أدى هذا الوضع المرير الى تخريب الواقع و المساهمة في اشاعة الفتن و الاساءة للعلاقات العربية فيما ظهرت طفيليات تمارس الابتزاز و تلجأ الى القدح و الذم و التعدي على الحريات و إثارة النعرات بين أبناء الشعب الواحد و الأمة بأسرها.
و رأينا كيف أسهم بعض الأقلام و الصحف في إحداث الشرخ في جسد الأمة العربية و تسبب في القطيعة بين بعض الدول العربية.
و ما زال هذا البعض يواصل القيام بالدور التخريبي بدلاً من أن توجه الأقلام العربية كلها الى خدمة قضايا الأمة و الدعوة الى التسامح و التصالح و المحبة و إزالة الخلافات و رأب الصدع.
.........
و أدرك جيداً أن هذا الطرح مثالي و عصي على التطبيق بسبب ظروف السياسة و ظروف الإعلام و أوضاع الإعلاميين و معاناتهم اليومية مادياً و معنوياً و جسدياً عندما تعرض العشرات منهم للاغتيال و الخطف و الغدر.
و لكن طريق الألف ميل يبدأ بخطوة على الجميع أن ينطلق منها و هي الإصرار على الموضوعية و الممانعة في صد الاغراءات و عمليات الترهيب و الترغيب و رفض المشاركة في تحويل الإعلام الى أداة لتنفيث الأحقاد أو تحقيق غايات في نفوس «يعاقيب» السياسة.
و لا بد أولاً من وضع ميثاق شرف يعيد الاحترام للمهنة و ممارسيها و يضع مقاييس و معايير للعمل الإعلامي مثل الامتناع عن إثارة الفتن و التأكد من المصادر و عدم بث الشائعات و رفض التسريبات المغرضة و فرض رقابة ذاتية نحن بحاجة اليها هذه الأيام بسبب المخاطر المتعددة الجوانب و الجنسيات و الاتجاهات بعد أن فشلت الرقابات الرسمية نتيجة ممارساتها الشاذة أولاً ثم بعد ثورة التكنولوجيا التي حطمت السدود و الحدود و أتاحت المحرمات و المحظورات.
و هذا أقل ما يمكن من واجبنا كإعلاميين في مواجهة الأخطار من أجل الخروج من قفص الاتهام و الانتقال من مرحلة الدفاع عن النفس الى مرحلة توجيه أصابع الاتهام الى كل من أسهم في ايجاد هذه المآزق التي تمر بها الأمة بكل موضوعية و شفافية و صراحة و صدق من دون أن تكون طرفاً أو أداة نسهم في التخريب بل يجب أن نكون رسلاً لردم الهوة و سد الثغرات و حل الخلافات و تأدية رسالة مهنتنا الغالية.
إنها أشرف مهنة في التاريخ...و واجبنا أن نثأر لشرفها و نعيدها نقية طاهرة عفيفة اللسان داعية خير و محبة و سلام و راعية وحدة و تضامن و وئام.

.......
و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا و دون تعليق.
المصدر:الحياة اللندنية-1-10-2007



_________________
The key to immortality is first living a life worth remembering

Bruce Lee

    الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 11, 2017 10:11 am